يعجبني أن أتكلم هذا اليوم عن موضوع في غاية الأهميه وهو مصدر سعاده وابتلاء لكل إنسان على سطح هذه المعموره، كما هو معيار وترمومتر دقيق جدا للكشف عن مقدرة أي إنسان على الإمتثال لأمر الله وطاعته، وإذا استطاع الإنسان الأخذ به والسيطره عليه فقد فاز في الدارين ، وإذا كان العكس فقد خسر دنياه وآخرته والعياذ بالله. وهذا الموضوع حثت عليه جميع الكتب السماويه، وبعبارة أخرى إنه هبة وامتحان من الله لعباده جميعا ، فمن استطاع تحقيقه وتطبيقه فإنه يستحق أن يطلق عليه عبارة "من عباد الله الصابرين "، وأعتقد أن هذه العباره قد كشفت لنا عن حقيقة هذا الموضوع العظيم إنه "الصبر". لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتحلى بالصبر في جميع أمور حياتنا، ومن صبر على مصائب الحياة فقد فاز برضى الله وقد يصل إلى مرتبة أهل العزم، والصبر نوعان : 1 - الصبر على النفس. 2 - و الصبر على الغير.
ألجزء الثاني من موضوع "الصبر"
الصبر على الغير : وهذا النوع من الصبر مهم جدا أيضا في حياة كل إنسان، فالصبر على إيذاء الغير سواء كان هذا الإيذاء من قبل فرد أو أفراد أو المجتمع أو من جهات مسؤوله مثل أجهزة ......!!! أو غيرهم ممن لا يعرفون الله، كل هذا يدخل في مفهوم جهاد الصبر، وهذا يحتاج إلى عزيمة أهل العزم لما يحتاج من قوة إراده وإيمان شديدين، لأن الصبر على إيذاء الآخرين ليس بالأمر السهل، ولهذا نجد أن رب العالمين وعد المجاهدين بحكمة الصبر بقوله " وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ". {157}/البقره.
وكما جاء في الجزء الأول "ألصبر على النفس" فإن أنبياء الله كانوا أكثر خلق الله تحملا لهذا النوع من الصبر أيضا، ولنا في رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه القدوة الحسنه وهو خير معلم وخير نبي لنا وللبشريه جمعاء، فقد أوذي أشد أنواع الإيذاء من أراذل وفجار قريش، وأوذي وحورب من مجتمع قريش وغيرها من قبائل العرب وغير العرب، وتحمل ذلك بصبر وجلد ما بعده صبر، ونتيجة لصبره الذي لا يحتمل، فقد أكرمه رب العالمين وكافأه على صبره وتحمله للإيذاء، بأن خضعت له تلك الأقوام والقبائل التي آذته ونصبت له العداء، ودخلوا جميعا في دين الله أفواجا، وانتشر الإسلام في كل بقعة من بقاع العالم أليس في هذا إكراما ومحبة من الله لنبيه؟؟ وكان باستطاعته معاملة اعدائه بالمثل، ولكن أخلاق المصطفى هي أسمى من ذلك، إنها أخلاق النبوه والأنبياء، كي يعلموا البشريه جمعاء معنى الصبر على الأذى وعدم الرد بالمثل، بل بالصبر والحكمة والموعظة الحسنه يمكن أن يتحقق الكثير، وهذا ما فعله نبينا وجميع أنببياء الله، وإن فعلوا غير ذلك لسقطت عنهم أنوار وأخلاق النبوه إلى يوم الدين. سيدنا إبراهيم كان من أشد أنبياء الله صبرا على قومه الكافرين، فتحمل منهم ومن أذاهم ما لا يتحمله بشر ، وكل منا يعرف قصته مع قومه وصبره عليهم حتى أنهم قرروا حرقه وهو حي، ولكن مشيئة الله أبت عليه ذلك وقيل" يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم". لماذا؟؟ لأنه صدق وقدر الله حق قدره، فقد أنجاه من الحرق، فكافأه الله وأكرمه بهذه المعجزه الخالده إلى يوم يبعثون....وهكذا كل أنبياء الله كانوا من أهل العزم والصبر على الإيذاء حتى من أقرب الناس إليهم، ولنا في قصة سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة خير مثال على ذلك. طبعا قصص صبر الأنبياء تحتاج وكما قلت سابقا إلى مجلدات، لذا أرجو أخذ العبره مما جاء بإيجاز أعلاه أن الصبر على النفس والغير هما من صفات أهل العزم والأنبياء ومن رحم ربي . أللهم اجعلنا منهم وارزقنا صفة وحكمة الذين بشرهم الله بكتابه الكريم " أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ {157} ".البقره......أللهم آمين. لا يعجبني بعد أن قرأنا بشكل موجز جدا عن صبر بعض أنبياء الله على إيذاء الأفراد والمجتمعات لهم وعدم الرد والتفكير بالثأر ممن ظلمهم وآذاهم، وجب علينا أن نتعلم ونأخذ العبره منهم لا أن تمر علينا تلك الفضائل دون التدقيق فيها والتعلم والإستفاده منها. لذا وبعد كل هذا الذي تكلمنا عنه حول هذا الموضوع، نجد أن الأكثريه الساحقه من أمتنا نسيت هذا الجانب الإيماني العظيم ولم تعد تعمل به ،- إلا من رحم الله - أنظروا إلى ما نحن عليه من بعد عن الله وكتابه وسنن أنبيائه، وما آلت إليه أحوالنا، ولنكن صادقين مع أنفسنا من منا يمكن أن يعتبر نفسه من عباد الله الصابرين؟؟ وهل حقا نستطيع الصبر على المصائب وبدون شكوى للقريب والبعيد؟؟ من منا حاول أن يكون صادقا بصبره مع الله ورسوله؟؟ أسئله كثيره يمكن طرحها على أنفسنا ، ولنبدأ بمصارحة أنفسنا ونسأل هل بإمكاننا أن نكون يوما ما من عباد الله الصابرين؟؟ ألجواب كل منا يعرفه، ولكني أفضل أن أجيب عن نفسي وأقول نعم نستطيع...ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟؟ ألجواب " أن يكون أيماننا صحيحا وقويا وصادقا، وأن نجعل من تجارب الأنبياء مع أقوامهم وما عانوه من ظلم وعذاب، مثلنا الأعلى" كل ذلك لوجه الله ولكسب مرضاته، ومتى استطعنا تحمل ذلك بالصبر والعزيمه والإيمان ، عندها يمكن أن نستحق شرف الإنتساب لجماعة "عباد الله الصابرين" بإذن الله.
التوقيع
"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ"...."فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ". ما فائدة "القلم" إذا لم ينتج فكراً... أو يضمد جرحاً... أو يرقأ دمعه... أو يطهر قلباً... أو يكشف زيفاً... أو يبني صرحاً يسعد الإنسان في ظلاله...!!!