يوميات مشاغب عادي ..!! (3)
الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله
الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد ...
الله أكبر كبيرا
والحمد لله كثيرا
وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا ...
أجواء إيمانية عامرة، وأصوات جهوريّة صادحة، ترتّل الدعاء والابتهال بتناسق منقطع النظير، دون كللٍ أو ملل، فتهتز أرجاء المسجد بالصدى الإيماني، والخشوع الرباني ... كيف لا ، واليوم يوم عيد، يوم السعادة والبهجة والسرور ...
*** ***
خرجتُ من المسجد بعد انتهاء صلاة العيد تغمرني الفرحة العارمة، وتنتابي موجةٌ من الحبور، فلقد أطال الله في عمري لأشهد عيداً آخر من أعياد المسلمين، وأرى البسمة مرتسمة على شفاههم ... ولكنهم ما علموا أنّ هذا اليوم هو يوم (موسم) لمشاغباتي، أكبح جماحها في رمضان لأطلق لها العنان في هذه الأيام المباركة، فتأخذ شهرة تمتد أياماً عدّة، يتندّر بها القاصي والداني !!
وفي أثناء المشاركة مع الذات في رسم أهم فصول المشاغبات القادمة، شاهدت ابن العم العزيز آتٍ من بعيد، منطلقاً باتجاهي بأقصى سرعة، وهو ينادي باسمي عالياً، يصيح كمخبول فرّ من مستشفاه، يطلب مني أن أستعد لاستقباله...
وما هي إلا لحظات حتى كان كَكَومة لحم التصقتْ بجسدي، بطنه مقابلة لبطني تكاد تخنقني لوزنها الزائد، ورأسه مسندة إلى عنقي يُعمِل فيها الكثير من القُبُلات، ويداه ملفوفتان حولي لم أشعر بهما إلا وهما تدقّان على ظهري بشدة ..
ـــــ يا إلهي .. هل جُنّ الرجل ؟! (قلتها بيني وبين نفسي مستغرباً)
إلا أنه لم يمهلني أن دقّ دقة أخيرة على ظهري وقال:
ـــــ أحببتُ أن أكون أول مَنْ يبارك لك بحلول العيد .
ـــــ كفاك ترهات يا رجل .. لم يمضِ على لقائنا سوى سويعات قليلة، تبادلنا فيها التهاني قبل ذهابنا إلى المسجد !!
ـــــ أجل ، أجل .. ولكن اسمح لي أن أقول لك هذا ...
تركني وقتها واستدار منطلقاً لحال سبيله وهو يتمتم :
ـــــ لن تنسى هذا اليوم ما حييت !!
وضعتُ يدي الأولى على خدي، وجعلتُ أصابع اليد الثانية تحك رأسي وأنا أقول ساخراً:
ـــــ لقد جُنّ الرجل .. حقاً لقد جُن !!
*** ***
أفقتُ من هول الصدمة على رنين الهاتف الخليوي (الجوّال)، لقد كان ابن الخال يخبرني أنه وبعضٌ من أقاربي قد سبقوني إلى المقبرة (الجَبّانة باللهجة الحلبية) وذلك لزيارة أقاربنا الأموات وقراءة الفاتحة لهم بالإضافة إلى بعضٍ من الأدعية المأثورة، وهذه عادة أهالي مدينة حلب أن يذهبوا بعد صلاة العيد إلى المقابر للزيارة ...
سارعتُ فوراً بإيقاف سيارة أجرة، طالباً من سائقها إيصالي إلى المكان المطلوب، وما هي إلا دقائق قليلة حتى وصلنا هدفنا، أعطيتُ الرجل أجره ثم فتحتُ باب السيارة وخرجتُ منها... وإذ بالسائق يرمقني بنظرة استغراب أتبعها بضحكة مدوّية، التفتُ على إثرها وقلتُ له مستفسراً :
ـــــ ما بك ؟
أجابني ووجهه الأحمر يكاد ينفجر :
ـــــ لا شيء، لا شيء .. كل عام وأنت بخير ..
نظرتُ إليه وقلت : وأنت بخير وصحة وسلامة ... (وكلّي علامات تعجب واستفهام)
*** ***
دلفتُ إلى المقبرة وكلي خشوع ورهبة، كيف لا وههنا آباؤنا وأسلافنا الذين سبقونا بالإيمان.. وكنتُ أمرّ بين القبور وأنا أنظر يمنة ويسرة، علّي أن أجد أقاربي بين الزحام، فالجموع كثيرة والوافدون أكثر من المغادرين ... وبينما أنا مشغول بالبحث والتقصّي بين الوجوه، لاحظتُ أمراً غريباً : فالكل ينظر إليّ بدهشة عند مروري بهم، ثم ما يلبثون أن يطلقوا لشفاههم رسم الابتسامة عليها مع تعليق ساخر ماكر ...
ـــــ يا إلهي .. ماذا حدث للجميع ؟! هل أنا في حلم أم ماذا ؟!
صرت أتجاهل نظراتهم وابتساماتهم الساخرة، وقلبي يشتعل غيظاً وهماً لمعرفة السبب، والأفكار تأخذني هنا وهناك، حتى وصلتُ قبور آبائي وأجدادي السابقين، رأيتُ أقاربي .. ألقيتُ عليهم التحية .. ثم استدرتُ تجاه القبور لقراءة الفاتحة ..
فجأةً سمعتُ همساتهم ، أصوات ضحكهم ، تعليقاتهم الساخرة .. استدرتُ إليهم ، الغضب يكاد يقتلع فؤادي ، الشرر يتطاير من عيني ، العروق امتلأت بدمائي ووصلت حد الانفجار ..
ـــــ رباه .. هذا كثير .. سائق الأجرة أولاً ، الناس في المقبرة ثانياً ، وأنتم الآن ثالثاً .. إنّ هذا لا يُطاق !!
أشار أحدهم إلى ظهري والسخرية تملأ وجهه ، وقفتُ مشدوهاً لبرهة ، ثم وضعتُ يدي على ظهري، تحسَّسْتُه مرة ... وأخرى... وثالثة ... وإذ بورقة ملصقة على ظهري ..
ـــــ يا الله .. ما الذي أتى بهذه الورقة ؟
اقتلعتُها بقوة ، ثم اتسعتْ حدقتي عينيّ وأنا أقرؤها :
ـــــ [
نعجة لطيفة تتمنى لكم عيداً سعيداً ] !!!
فجأة قفزت جملة ابن العم العزيز أمامي ( لن تنسى هذا اليوم ما حييت) وعرفتُ الآن سر التهكم والسخرية ... وأيضاً عرفتُ الإجابة للسؤال الأكثر أهمية وهو : من أين أتتْ هذه الورقة ؟!
BrEEzEs smile20smile20smile20smile20smile20