يعجبني أن أتكلم اليوم عن ظاهره خطيره نعيشها في حياتنا ونراها ونسمعها في كل يوم، ليس لها موطن محدد ولا حدود جغرافيه معينه، نجدها في كل بيت ومجتمع وبكثره، وستبقى ملازمه لحياة البشر طالما الحياة مستمره ، إنها فرع غاية في الأهميه من فروع النظافه ، ولكن من نوع مختلف كليا عما عهدناه في مواضيعنا السابقه، ويمكن أن نعرّفه بظاهرة "نظافة اللسان" أو بظاهرة "حفظ اللسان " من شوائب الكلام الذي نعيش أجواءه في كل مكان وزمان .
فقد سبق وتكلمنا عن ظاهرة النظافه العامه وأثرها في حياتنا العامه وعلى البيئه والحياة باعتبارها عامل مهم جدا في حياتنا. واليوم سنتكلم عن النوع الثاني من النظافه والذي أطلقنا عليه " نظافة اللسان" وهو أي اللسان الأكثر خطرا منذ اول جريمة حدثت على كوكبنا وكان بطلاها قابيل وهابيل أبناء سيدنا آدم عليه السلام.
وطبعا كل فرد في أية أمّه أو شعب يعرف ما المقصود بعبارة " حفظ اللسان" ، ولو رجعنا إلى علوم التاريخ من الماضي البعيد والقريب إلى أيامنا هذه ، لوجدنا أن مدلول تلك العباره ظهر قويا في جميع المعتقدات الدينيه والشرائع بدون تحديد، لأنها تعتبر من الفضائل التي يجب أن يتحلى بها الإنسان في كل المجتمعات، وهذه حقيقة ثابته ومعترف بها من قبل كل شعوب العالم حتى الشعوب المتخلفه التي تعيش بمنأى عن الحضارات، وذلك لأن هذه الصفه هي فطرية في النفس البشريه، وجاءت الكتب السماويه والقوانين الوضعيه فصقلتها وعززتها، لتجعل من المجتمعات واحات أمان بين الناس عامة.
دعونا نتحقق من صحة هذا الكلام !!!! فكم من جرائم ارتكبت وأودت بحياة ملايين البشر بسبب عدم السيطره على عضو اللسان ؟؟؟ وكم من المشاكل والمآسي نراها كل يوم في بيوتنا ومجتمعاتنا سواء بين الأزواج أو بين الأبناء او غير ذلك بسبب عدم التزامنا بأدب الكلام وحفظ اللسان ؟؟ وكم من حروب حصدت أرواح الملايين من الناس سواء بين الدول أو ألشعوب أو الأفراد كان سببها سوء الكلام وعدم المحافظه على قدسية حفظ اللسان؟؟ وإذا ما قارنا بين ضحايا النظافه العامه وضحايا عدم نظافة اللسان أو عدم حفظ اللسان لوجدنا أن الأخيره كانت ولا زالت أكثر فتكا وإيذاءً بالشعوب والأفراد، وهذه حقيقة مسلم بها ولا تحتاج إلى برهان.
لهذه الأسباب جاءت الديانات عامة لتصقل وتهذب أخلاق الناس - بغض النظر عن نوعية تلك الديانات - ولتجعل حفظ اللسان من كبرى الفضائل التي يثاب عليها الإنسان في آخرته ودنياه، والديانه الإسلاميه من أكثر الديانات التي عالجت هذه الظاهره في مواضع كثيره من القرآن الكريم وحثت على الإلتزام بأدب المخاطبه مع الآخرين كقوله تعالى :
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {46} سورة العنكبوت .
وقوله تعالى : ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {125} سورة النحل .
وقوله تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ {159} سورة آل عمران .
وهناك مواضع وآيات كثيره في الفرآن الكريم تحدثت حول هذا الموضوع.
وكذلك فإنّ جميع الأنبياء والرسل جاءت رسالاتهم لتعبر وتكمل نفس المعاني والقيم التي دعت إليها جميع الكتب السماويه، وهذا بعض ما جاء في بعض أحاديث رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه حول هذا الموضوع : عندما سئل رسولنا الكريم أيّ المسلمين أسلم قال " من سلم الناس من لسانه ويده ". وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "أنت في سلامة ما سكت، فإذا تكلمت فلك أو عليك".وهناك أيضا العشرات من الأحاديث لرسول الله حول هذا الموضوع.
إذن مراقبة اللسان من الفضائل التي أمرنا الله ورسوله العمل والتقيد بها، وقد سبق لي وأن تكلمت حول هذا الموضوع في مقاله سابقه وقلت فيها :
يعجبني ذلك الأنسان ألذي إذا تكلم لا يتكلم إلا بالخير، وإذا قابلك سبقك بتحية الأسلام، وإذا تحدث إليك تمنيت لو طال حديثه لما فيه من أدب الحديث وصدق الكلام.
نعم أيها الأحبه هذه حقيقه لا نستطيع تجاهلها، بل يجب علينا جميعا أن نسعى وبكل ما أوتينا من قدره على أن نجعل مخاطبتنا للغير ضمن حدود "حفظ اللسان" ونجعلها قاعده عامه في مسيرتنا الحياتيه وفي كل الظروف والأوقات خاصة عند مخاطبة الآخرين ونعلمها لأبنائنا في البيت والمدرسه ونكون قدوة صالحه لهم، وأن لا يطبق علينا قول الله سبحانه وتعالى " يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون". هدانا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.
لا يعجبني أن أرى الكثيرين من المسلمين يتجاهلون عن قصد أو غير ذلك ما جاء في قرآننا الكريم وفي الكثير من أحاديث رسولنا الكريم عن فضائل المخاطبه وحفظ اللسان ، لا يتكلمون إلاّ بفواحش الكلم، ولا يعرفون لحسن الكلام طريقا حتى مع أقرب الناس إليهم ، ولا يعرفون معنىً لآداب الكلام حتى في داخل بيوتهم ومع أزواجهم وأبنائهم وبناتهم، الحقيقه أتعجب ماذا سيكون رد الفعل عند أهل بيتهم؟؟ وكيف سيكون حال أولئك الأبناء عندما يعيشون تلك الأجواء؟؟،وما هي الصوره القاتمه التي سينقلونها عن آبائهم وأمهاتهم؟؟؟ لذا أغتنم فرصة وجود هذا الشهر الفضيل لأقدم النصيحه لنفسي أولا ولكل إنسان بأن نحاول أن نغير من سلوكنا في جميع أوجه الحياة إلى الأسلوب الأفضل، ونفكر في كل كلمة قبل أن نلفظها، ونجادل الآخرين بالحسنى وبالكلمة الطيبه وبذلك نكون قد جمعنا وحققنا المعنى الصحيح للنظافة العامه ونظافة حفظ اللسان.