أقسام الحديث المشهور:
قوله: (مشهور مروي فوق ما ثلاثة)
ويقسمون المشهور أيضاً إلى قسمين عند الخاصة، ومشهور عند العامة، والمراد بالخاصة علماء الحديث، فقد يكون الحديث مشهوراً عندهم، وإن لم يكن منتشراً وكثيراً تناوله وتناقله بالنسبة إلى العامة؛ لأن العامة إنما يتناقلون ما يسهل حفظه، أو ما يتكرر، أو ما تكثر الحاجة إليه، أما الأحاديث الخاصة فإنها تكون متناقلة بين العلماء والمحدثين وليست متناقلة بين عموم الناس، فتجد الحديث مثلاً يسمى مشهوراً ومستفيضاً حيث إن له عدة طرق، أكثر من اثنين أو ثلاثة، ومشهوراً لأنه رواه أهل السنن، ورواه أهل الصحاح: البخاري ومسلم، وابن خزيمة وابن حبان، والحاكم وابن الجارود، وابن السكن، وابن القطان، ومن أشبههم من الذين ألفوا في الصحيح، ورواه أهل السنن الأخرى كالدارمي والبيهقي والدار قطني وأشباههم، ورواه أهل المسانيد، ورواه أهل المصنفات، ورواه أهل التفاسير، ومع ذلك وقد يكون منتشر الذكر بين العامة، وقد يكون الأمر بالعكس أي أن الحديث قد يشتهر على ألسن العامة، ومع ذلك ليس بمشتهر عند الخاصة الذين هم العلماء والمحدثون، فالعامة قد يسمعون أثراً ونحوه فيتناقلونه على أنه حديث، ويشتهر بينهم وينتشر، وإذا نقب عنه لم يكن حديثاً، بل هو إما حديث ضعيف مع شهرته بين العامة وكثرة تناقلهم له، وإما أثر موقوف على بعض الصحابة أو من دونهم.
فالحاصل أن المشهور هو الذي يرويه ثلاثة عند أكثر العلماء أو يرويه أكثر من ثلاثة عند البيقوني والبعض غيره، وأنه يسمى مشتهراً مستفيضاً، وأنه قسم إلى مشهور عند الخاصة، ومشهور عند العامة، ورواته هي الأسانيد والطرق، والحكم عليه يرجع إلى الرجال.
ونحن إنما نقول: مروي ثلاثة ومروي اثنين بالنسبة إلى الأسانيد ظاهراً، ولا يحكم بصحته ولا بضعفه إلا بعد النظر في رجاله، فإذا نظرنا في رجال الحديث، نظرنا في ثقتهم وعدالتهم وأهليتهم، أو أن فيهم نوع ضعف، ولكن ذلك الضعف ينجبر بمتابعة هذا لهذا ولهذا، فيحكم بصحته، وقد يكونون من الضعف بمكان قوي، بحيث لا يُقبل حديثهم، ولا يُحكم بصحته إذا كانوا متهمين بالكذب، أو ضعفاء بالمرة، فهذا التعريف إنما هو بالنظر إلى الاسم أي اسم الحديث مشهور أو مستفيض أو عزيز، مع قطع النظر عن ثقة رجاله أو ضعفهم، فإذا أردنا الحكم عليه فلا نحكم عليه إلا بالنظر إلى عدالة رواته وصحة إسناده.
مُعنْعنٌ كَعنْ سعيدٍ عنْ كَرَم ... ... ... وَمبْهَمٌ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسم
الحديث المعنعن والمؤنن:
قوله: (معنعن كعن سعيد عن كرم)
(المعنعن) هو الحديث الذي يتسلسل بكلمة عن فلان عن فلان، والعنعنة يستعملونها إما للاختصار وإما لعدم التثبت من سماعه عن ذلك الشيخ، كأن يرويه عنه بواسطة، أو ما أشبه ذلك ويجوز للمتأخر أن يروي الحديث بعن، فيجوز لك أن تقول: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال ستاّ..) مع أن بينك وبين أبي هريرة مئات السنين، فإذا قال الراوي (عن) فليس متحققاً أنه لقيه أو أنه سمعه منه، فقد يقول أبو بكر بن أبي شيبة: عن شعبة. وهو مالقيه، وقد يقول مثلاً سفيان بن عيينة: عن الزهري. وهو قد لقيه فيعنعن، وقد يكون الشيخ روى عن شيخه بالتحديث، وعن شيخ شيخه بالعنعنة، ويفعل ذلك كثير من العلماء، وقد يكون الإسناد كله معنعناً، فغالب أول مصنف عبدالرزاق رواه تلميذه عند بالعنعنة مع ذكره لاسمه فيكتب: عبدالرزاق عن معمر، عن الزهري عن سالم عن أبيه، فيجعله كله معنعناً، مع أن عبدالرزاق قد روى عن مشايخه بالتحديث أو بالإخبار أو بالسماع، ومع ذلك يذكره بالعنعنة، ولعلّ ذلك من باب الاختصار والعنعنة إذا جاءت في الحديث فإنها تكون دون التحديث بمراتب؛ لأنها ليست دالة على الاتصال، إلا إذا حملنا ذلك الراوي على حسن الظن.
واختار الإمام مسلم -رحمه الله- أن الحديث المعنعن يقبل مطلقا ويحمل على الاتصال بشرط:
أن يكون المعنعن ليس مدلساً.
وأن يكون معاصراً لمن روى عنه يمكن أنه لقيه.
فإن كان المعنعن مدلساً فلا يقبل إلا إذا صرح بالتحديث، فمثلاً من المدلسين ابن إسحاق صاحب السيرة، نجد عنده أحاديث كثيرة تارة يذكرها بصيغة العنعنة، وتارة بالتحديث، فتارة يقول: حدَّثنا عاصم بن عمر، وتارة يقول: عن عاصم بدون حدَّثنا، فيقبل ما صرح فيه بالتحديث، دون ما لم يصرح فيه بالتحديث، مخافة أن يكون قد أسقط شيخه.
والضعيف (المدلس) هو الذي يسقط شيخه، ويروي الحديث بالعنعنة عن شيخ شيخه، الذي قد لقيه لكنه لم يسمع منه ذلك الحديث، (المؤنن) أيضاً ألحقوه بالمعنعن، لكن الغالب أن المؤنن لا يقتصر فيه على كلمة (أن) بل لابد أن يُضاف إليها كلمة أخرى، فإن أضيف إليها ما يدل على السماع فهو متصل وإن أضيف إليها ما لم يدل على السماع فلا، فإذا قال مثلاً: حدثنا عبدالله بن لهيعة أن جابراً الجعفي قال: حدثني أنس. فمثل هذا أن جابراً قال. وكلمة (أن) هو المؤنن، ولكن أضاف إليها (قال) وكلمة (قال) لا تدل على الاتصال، فيتوقف فيه؛ لأن ابن لهيعة قيل: إنه مدلس، وأما إذا أضاف إليها كلمة صريحة فيقبل، كأن يقول: حدثنا ابن لهيعة، أن جابراً الجعفي حدثه، فكلمة (أن) اقترنت بها (حدثه) أو أخبره، أو سمعه يقول: أو ما أشبه ذلك، فيزول بذلك خوف الانقطاع.
الحديث المبهم:
قوله (ومبهمٌ ما فيه راوٍ لم يُسم)، أي: لم يصرح باسمه، كأن يقول مثلاً عن ابن لهيعة عن رجل، عن قتادة. فقوله عن (رجل)) هذا مبهم لا يُدرى من هو، وقد لا يذكره باسم رجل، كأن يقول عمن أخبره، أو عمن يسمع جابراً.
فهذا الذي سمع جابراً مبهم، وقد يكون الإبهام لعدد، كأن يقول: عن عدة من مشايخنا، أو من أصحابنا، فهؤلاء العدة مبهمون، وقد يكون الإبهام مع نوع من التعيين، كأن يقول: عن عمه أو عن أخيه، وله عدة أعمام وله عدة إخوة، أو أخوه مجهول لا يُدرى من هو ولا يُدرى ما اسمه، فيكون هذا مبهماً، فالمبهم هو الذي فيه رجل لم يسم، وهو يدل على ضعفه، فيُرد الحديث الذي فيه راوٍ مجهول، وقد يسمى ومع ذلك يبقى على جهالته، وقد يسمى ولكن لا يقال فيه كلام، ولا يذكره أحد، ولا يترجم له، ولا يدري ما حاله، وما روايته وما ثقته، وهو مع ذلك مسمى، بأن يقول مثلاً: حدثني زهير أو يزيد، وقد يقول مثلاً: يزيد بن بزيع، ولكن من هو يزيد هل هو ثقة أو ضعيف، لا ندري ، لم يتكلم فيه أحد، فيتوقف في رواية هذا المجهول.
المجهول وأقسامه:
ويقسم المجهول إلى قسمين:
مجهول الحال.
ومجهول العين.
فمجهول العين هو: أن لا يُعرف بعينه، ولا يُدرى ما اسمه.
وأما مجهول الحال فهو: الذي يسمى، ويرويه عنه اثنان، ولكن لا يروى شيء من أخباره، ولا ينقل هل هو صدوق أو كذوب، أو ثقة أو ضعيف، روى عنه فلان وفلان ولكن ما وثق، فيسمى مجهول الحال، وقد يسمى مستوراً.
الفرق بين المبهم والمجهول:
والفرق بين المبهم والمجهول أن المجهول أخص؛ لأنه قد يكون مسمى ومجهولاً، قد يُقال: عن أُمه، وأُمه مجهولة، وقد يُقال عن أخيه، وأما إن قيل: عن رجل. أو عن من سمع. فهذا يسمى مبهماً، فالمبهم هو الذي لا يذكر بما يميزه، وأما إذا قال: عن أخيه أو عن أمه وهي مجهولة، أو أخته أو عمه، أو ما أشبه ذلك فهذا يسمى مجهولاً، وليس بمبهم.
الحديث العالي، والحديث النازل
قوله: (وكل ما قلت رجاله علا ...)
العالي والنازل من أقسام الحديث، وتتعلَّق بالأسانيد، ويُقال: هذا إسناد عال، وهذا إسناد نازل. فالعالي هو الذي قلَّت رجاله، والنازل هو الذي كثرت رجال إسناده، وقلة الرجال مرغوب فيها عند المحدّثين فهم يحبون الحديث العالي دون النازل، وسبب ذلك: أن كثرة الوسائط سبب لكثرة الأوهام؛ لأنه إذا كان مثلاً بين الترمذي وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة، فاحتمال الخطأ من هؤلاء قليل، يعني محتمل أنهم أخطأوا ولكنه احتمال قليل بخلاف ما إذا كان بينه وبينه عشرة، فإنه قد يوجد أحاديث ينزل فيها الترمذي إلى عشرة، وقد يوجد أربعة، فيسمى القليل عالياً ، فأقل ما بين الترمذي وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة، ويسمى الآخر نازلاً إذا كان الإسناد سبعة أو أكثر، وسبب ذلك أن بعضهم يروي عن بعض، وهم متقاربون، يروي عن بعض، وهم متقاربون ، يروي التابعي عن تابعي عن تابعي إلى أربعة أو خمسة أو ستة بعضهم عن بعض، وكلهم متقاربون، وتكثر الوسائط، فلأجل ذلك قالوا: إن العالي أصح، وأقوى، وأقرب إلى الثقة بهم، وقد كانوا يحرصون على العلو، فكثيراً ما توجد الأحاديث عند الشيخ في بلاده نازلة، فيسافر مسيرة شهر أو أكثر، لأجل أن يحصل عليه بإسناد أقل لأنه يسقط عنه رجل.
فمثلاً: الإمام أحمد يروي عن عبدالله بن عمر أحاديث ليس بينه وبينه إلا اثنان ، يرويها مثلاً عن إسماعيل بن جعفر، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر؛ لأن ابن عمر طال عمره إلى أن توفي في حدود سنة 74هـ وتتلمذ عليه عبدالله بن دينار في آخر حياته وحفظ منه علماً، وطالت حياة عبدالله بن دينار فمات سنة 127هـ، فأدركه بعض مشايخ أحمد كسفيان بن عيينة وإسماعيل بن جعفر ونحوهما، فرووا عنه فتكون أحاديثه ثلاثية حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبدالله ابن دينار، عن ابن عمر، وكذلك أحاديث أنس حيث أدركه الزهري، وإن كان الزهري لم يُعمرْ أي ما طالت حياته، ولكن أنسا عُمر حتى توفي سنة 93، وعاش بعده الزهري ثلاثاً وثلاثين سنة126وتوفي سنة 5 والإمام أحمد يروي عن ابن عيينة ويقول: حدثنا ابن عيينة عن الزهري، عن أنس، فأحاديثه عنه ثلاثية.
كذلك البخاري عنده الأحاديث الثلاثيات فليس بينه وبين الصحابي إلا اثنان، وبينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة، ومنها أحاديث عن أنس يرويها عنه تلميذه حُميد الطويل الذي عُمِّر فأدركه محمد بن عبدالله الأنصاري فالبخاري يقول: حدَّثنا محمد بن عبدالله عن حميد عن أنس فهذا إسنادٍ عال، وكذلك سلمة بن الأكوع عُمر يعني عمراً متوسطاً توفي سنة 74هـ، ولكن تلميذه ومولاه يزيد بن أبي عبيد عُمر بعده فأدركه مشايخ البخاري فصار يروي عن سلمة أحاديث ثلاثية، فيقول: حدّثنا مكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، فهذا حديث عال، فإذا كثرت الرجال فإنه يسمى نازلاً، فقد تجد بين البخاري وبين الرسول صلى الله عليه وسلم سبعة أحياناً، ويكون ذلك لأن بعضهم يروي عن بعض، وهم متقاربون فيقول مثلاً: حدّثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود فهذا بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ستة، وقد يحدث عن بُندار عن غندر عن شعبة عن الأعمش فهذا إسناد فيه نوع من النزول بالنسبة إلى الثلاثي، هذه هي الأحاديث العالية والنازلة، ورغبتهم في الأحاديث العالية لقلة الوسائط وقلة الرجال، فقد يسافرون -كما ذكرنا- لأجل سقوط رجل أو رجلين.
فالإمام أحمد توجد عنده أحاديث في بغداد نازلة، ولكنها توجد عند بعض المشايخ عالية مثل عبدالرزاق، فسافر أحمد من بغداد إلى صنعاء لأجل أن يسمع منه أحاديث هي موجودة عنده في بغداد، لكنها نازلة، فأراد أن يأخذها عن عبدالرزاق لتكون عالية، فقد يكون بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً ستة فإذا أخذها عن عبدالرزاق ارتفع إلى خسمة أو أربعة فقد يقول: حدّثنا عبدالرزاق: حدَّثنا معمر عن الزهري عن أنس فهؤلاء أربعة أو يقول عبدالرزاق: حدّثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس فهؤلاء خمسة فالرغبة في علو الإسناد لأجل قلة الوسائط التي يحصل بسببها قلة الأوهام.
فأنت مثلاً إذا سمعت حادثاً حدث كمرض أو موت فسمعته من واحد شاهده وقال لك: شاهدت فلاناً مريضاً أو شاهدت فلاناً عندما توفي، أو شاهدت البيت الفلاني وقد احترق أو قد انهدم، جزمت به، لأنه ليس بينك وبين هذا الحادث إلا واحد شاهده، لكن لو أن هذا الواحد الذي شاهده نقله لك عن خمسة قال مثلاً: أنا ما شاهدته، ولكن أخبرني فلان وهو ما شاهده ولكن أخبره فلان وهو أيضا ما شاهده وإنما أخبره فلان ولم يشاهده أيضاً وأخبره فلان الخامس الذي شاهده، فكثرة الوسائط قد تُوقع الشك في هذا الحادث هل هو صحيح واقعي أم لا؟ لأن أحدهم قد يكون قاله مازحاً غير مُجدّ في قوله، وقد يكون مخطئاً على بعضهم، وقد يكون بعضهم قال: نقله لي فلان وهو مخطئ، وقد يكون بعضهم لا يعرف هذا الذي حدَّثه، إنما قال: يمكن أنه فلان، وليس جزماً، فلأجل ذلك كثرة الوسائط يحصل بها وَهم وخطأ غالباً، فهذا هو السبب في أن قلة الرجال أقوى.
حكم الإسناد العالي والنازل:
ثم إن الحكم على السند بالنظر إلى الرجال، لا نحكم على السند عالياً أو نازلاً إلاَّ بعد النظر في رجاله، وقد يكون العالي رجاله ضعفاء، ويكون الإسناد النازل رجاله أقوياء، وقد يكون الإسناد العالي أضعف من النازل، رغم أن هذا عال ولكن في رجاله ضعف وهذا عال ورجاله ثقات، فلا تساوى بينهما.
وَمَا أَضَفْتهُ إلى الأَصْحاَبِ مِنْ ... ... ... قَوْلٍ وَفِعْلٍ فَهْوَ موقوفٌ زُكِنْ وَمُرْسلٌ مِنهُ الصّحَابيُّ سَقَطْ ... ... ... وقل غريبُ ما روى راوٍ فقــــطْ وَكُلًّ مَاَ لَمْ يَتَّصِلْ بِحَــــــالِ ... ... ... إسنادُهُ مُنْقطِع الأَوصَـــــــــــال
هذا تعريف الموقوف، والمرسل، والغريب، والمنقطع، وهي بعضها من مباحث الإسناد كالمرسل والمنقطع، وبعضها من مباحث المتن كالغريب والموقوف.
الحديث الموقوف:
(والموقوف) هو ما وقف على الصحابي، فإذا وقف الإسناد إلى الصحابي ولم يتجاوزه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فهو موقوف أي هو من كلام الصحابة، ويكثر هذا في الكتب التي تعني بكتابة الآثار، كمصنف ابن أبي شيبة، وسنن الدارمي، ومصنف عبدالرزاق، وسنن سعيد بن منصور، يذكرون فيها أشياء كثيرة من الموقوفات على الصحابة، ومن الموقوفات على التابعين، فكل ما أضيف إلى الصحاب يعني الصحابة فهنا عبَّر بالصحاب عن الصحابة يُقال لهم: أصحاب وصحب وصحابة وصحاب، وسواء كان ذلك المروي من قولهم أو من فعلهم، كفعل أحدهم أمراً من الأمور، يُقال: فعل عثمان كذا فهذا موقوف، أو قال عمر كذا وكذا فهذا موقوف.
(زُكِن) يعني عُرِفَ وحققَ أنّ هذا هو الموقوف حقاً، وكثيراً ما تكون الموقوفات في كتب المتقدمين كالدارمي وعبدالرزاق ومالك، ثم يخطئ فيها كثير من المتأخرين فيرفعونها، وكثيراً ما يقول الترمذي وغيره هذا الحديث موقوف، رفعه فلان فأخطأ فيه، أو غلط فرواه مرفوعاً، والصحيح أنه موقوف على عائشة، أو موقوف على ابن عباس أو نحو ذلك.
وقد ذكرنا سابقاً أن الموقوف قد يكون له حكم المرفوع، فيما إذا كان ذلك الصحابي لا يأخذ عن الإسرائيليات، وكان كلامه لا يُقال مثله بالرأي، فإذا تكلم بكلام من أُمور الآخرة حُمِلَ على أنه تلقَّاه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مثلاً أخبر بثواب، فإنه محمول على أنه مرفوع حكماً لا لفظاً، هذا هو الموقوف.
الحديث المرسل:
وبعده قال: (ومرسل منه الصحابي سقط ..............)
المرسل: ما رفعه التابعي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والتابعي هو الذي لقي الصحابة، فإذا قال سعيد بن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال عطاء بن أبي رباح: قال النبي صلى الله عليه وسلم فهو المرسل، وقوله: (منه الصحابي سقط). أي في الظاهر، ولكن لو تحققنا أنه لم يسقط منه إلا الصحابي لقبلناه؛ لأن الصحابة عدول، لكن نخشى أن يكون سقط قبل الصحابي تابعي ضعيف، فلأجل ذلك يكون المرسل ضعيفاً، والتعبير السليم أن يقال: إن المرسل ما رفعه التابعي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وسبب رده الجهل بالساقط؛ لأنا لا ندري هل هو صحابي فنقبله أو هو تابعي، فإن كان تابعياً فقد يكون ضعيفاً، وإن كان ثقة فلا ندري هل أخذه من صحابي فيقبل، أو أخذه من تابعي آخر، فإذا أخذه من تابعي آخر فقد يكون ضعيفاً فيرد، وإذا كان قويّاً فهل أخذه من صحابي أو من تابعي ثالث، فقد يأخذ بعض التابعين من بعض إلى ثلاثة أو أربعة، فلأجل احتمال أنه أخذه عن تابعي ضعيف يتوقف في قبول المرسل.
ويستثنى من ذلك مراسيل سعيد بن المسيب قالوا: لأنها تُتُبِّعَتْ فوجدت مسانيد، فهو لا يرسل إلا عن ثقة، أو عن صحابي، وكذلك إذا تحقق أن هذا المرسل قد أرسله ذلك التابعي عن جَمْعٍ من الصحابة؛ لأن التابعي قد يسمع الحديث من عشرة من الصحابة، فيجزم به، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم فهنا إذا يقبل.
الحديث الغريب:
قوله: (............ وقل غريب ما روى راوٍ فقط)
هذا تعريف الحديث الغريب، بأنه ما ليس له إلا إسناد واحد، وأكثر من يستعمله الترمذي في جامعه حيث يقول: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو من رواية فلان، فإذا رواه مثلاً عن الصحابي تابعي، وعن التابعي تابعي آخر، وعنه تابعي ثالث، ثم رابع، ثم آخر، وهؤلاء انفردوا به لم يتابعهم أحد فنسمي هذا حديثاً غريباً، وقد يشتهر بعد ذلك كحديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات) فإنه غريب في أوله ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر، ولا رواه عن عمر إلا علقمة بن وقاص، ولا رواه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا رواه عن التيمي إلا يحيى الأنصاري، فهو غريب في أوله، ثم اشتهر عن يحيى، فأصبح متواتراً في آخره.
ومن أمثلة الغريب حديث أبي هريرة: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) فإنه ما رواه إلا أبو هريرة، ولا رواه عن أبي هريرة إلا الأعرج، ولم يروه عنه إلا أبو الزناد، ولا رواه عن أبي الزناد، إلا محمد بن عبدالله بن الحسن، ولا رواه عن ابن الحسن إلا الدراوردي، فيكون هذا حديثاً غريباً وإن كان قد رُوي من طرق أخرى بغير هذا اللفظ، والغرابة تدل على ضعف الحديث، فيقولون في تعبيراتهم: لا يأتيك بالغريب إلا الغريب، ويقال: فلان يأتي بالغرائب، فلان أحاديثه غريبة أي يأتي بأحاديث ما رواها غيره، فانفراده يدل على ضعفه وضعف روايته، هذا هو الغريب أي ما ليس له إلا إسناد واحد.
الحديث المنقطع:
وقوله: (وكلُّ ما لَم يتَّصِل بِحَال إسناده منقطعُ الأوصال)
هذا تعريف المنقطع، وقد ذكرنا أن الإسناد إما أن يكون فيه انقطاع في أوله وهو المعلق، أو من آخره وهو المرسل، أو من وسطه فإن كان باثنين متواليين فهو المعضل، وإن كان باثنين غير متواليين فالمنقطع، وكذلك إن كان الساقط واحداً فهو المنقطع.
كيف يعرف الانقطاع في الإسناد:
وكيفَ تَعرِفُ الانقطاع؟ تعرفه بالرواة عن هذا الشيخ، تقول مثلاً: هذا الشيخ لم يرو عنه إلا فلان وفلان، فإذا وجدت إنساناً لم يُذكر في تلامذته عرفت أنه لم يرو عنه، فإنك كثيراً ما تجد في تراجم الرواة إحصاء تلاميذ الشيخ وإحصاء مشايخه كما في كتاب: (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) للمزي.
إذا قال مثلاً: إسرائيل بن أبي إسحاق السبيعي، روى عن فلان وفلان وفلان وفلان، فيحصي مشايخه الذين روى عنهم ثم يقول وروى عنه فلان وفلان وفلان،فيحصي تلاميذه الذين رووا عنه، ولو زادوا على المائة أو على المائتين، فأنت إذا رأيت شخصاً قد روى عن إسرائيل، فانظر هل ذكره صاحب تهذيب الكمال، فإذا لم يذكره، ولم يذكره غيره دلَّ على أنه ليس من تلاميذه، وأنه ما أدركه، أو أنه روى عنه بواسطة فأسقط تلك الواسطة، فيكون الإسناد منقطعاً.
فالإسناد المنقطع هو الذي فيه سقط، وقد يعرف السقط بعدم المعاصرة، وذلك يحتاج إلى معرفة المواليد والوفيات، فإذا رأيت مثلاً وكيع بن الجراح الذي وُلِدَ قبل موت الزهري بسنة أو سنتين عرفت أنه ما روى عنه أي كيف يروي عنه وهو ابن سنة أو سنتين يعني أن هذا ولادته في سنة كذا، وهذا وفاته في سنة كذا وبينهما سنة أو سنتان فلان يمكن أن يروي عنه، وهكذا بعض المحدثين قد يروي عن شخص بواسطة ويسقط من روى عنه، ويقع ذلك كثيراً في أولاد بعض الصحابة الذين ما أدركوا آباءهم ورووا عنهم كأبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود روايته عن أبيه منقطعة؛ لأنه مات وهو صغير فما عقله، ومع ذلك روى عنه كثيراً، ولكن روايته محمولة على أنه أخذها عن أهل بيته أو عن تلامذة أبيه، فتكون منقطعة، فالمنقطع هو: ما سقط فيه راوٍ أو أكثر مع عدم التوالي، هذا من حيث الاصطلاح، وإلا فهو يعم كل ما لم يتصل، على ظاهر النظم.
=============================================
الشيخ/عبدالله ابن جبرين