هذه قصتى ... جاى إيتون (Gai Eaton) الحلقة ( 3 والأخيرة )
عدت لإنجلترا بعد سنتين ونصف السنة ، لأسباب عائلية . ومن ضمن من كتبوا لى بعد قراءة كتابى ، إثنان من الرجال اللذين تأثرا بعمق من كتابات جينون ، وتبعاه فى إشهار إسلامهم ، فى بعده الصوفى . قابلت هؤلاء الرجال . وكانوا قد قرؤا كتبى أيضا ، فقالوا لى أن ما تنشده ، لن تجده فى الهند أو فى الصين ، ولكنه أقرب من ذلك ، ستجده فى التقاليد الإبراهيمية ، فى البعد الصوفى للإسلام . وسألونى ، متى تبدأ فى ممارسة ما تدعو إليه وتبحث عن الجانب الروحى . قالوا لى ، هذا هوالوقت المناسب لذلك ، قالوها برقة ولكن بطريقة حاسمة ، ذاكرين أنه يجب أن تكون حياتى طبقا لما أعرفه نظريا . رددت عليهم متهربا ، وبأدب ، بأننى لا أفكر فى تنفيذ ما يقولون إلا عندما أكبر وأستنزف المغامرات الدنيوية . ولكنى بدأت فعلا فى دراسة الإسلام بشغف وإهتمام . أثار اهتمامى هذا سخط صديق لى حميم يعيش فى الشرق الأوسط ، وقد ملء بكره شديد ضد الإسلام . ذاكرا لى ، أن هذا الدين الجاف ، القول بأن به أبعاد روحانية فكرة سخيفة . هذا الدين ، كما أكد لى ، ليس إلا مظاهر خارجية ، طاعة عمياء ، صلوات متكررة ، حرمان لا عقلانى ، تعصب ضيق ونفاق . وأخذ يسرد لى تصرفات بعض المسلمين محاولا إقناعى . وأتذكر أن مما ذكره ، أن إمرأة شابة كانت فى سكرات الموت ، فأخذت تهز سريرها كى تتجه نحو قبلة المسلمين لتموت مواجهة لها . صديقى ، كان ينظر للموضوع أنها عانت وهى فى أشد حالات مرضها لتنفذ خرافة غبية ... بالنسبة لى ، كنت أنظر إلى الموضوع بالعكس تماما ، فقد رأيت أن هذه قصة رائعة معبرة . أكبرت إيمان هذه المرأة الشابة ، التى تصرفت تلقائيا بعيدا عن أى تأثير ذهنى يمكن تخيله .وفى هذه الفترة ، كنت لا أجد عملا ، وكنت أعيش فقيرا . تقدمت إلى كل الأعمال المعلن عنها ، بما فيها وظيفة مساعد محاضر بجامعة القاهرة ، فى الأدب الإنجليزى . وكنت أعتقد بغباء هذه الفكرة ، لقد حصلت على مؤهلى بجامعة كيمبردج فى التاريخ ، وبعيد كل البعد عن الأدب الإنجليزى قبل القرن التاسع عشر . فكيف سيقبلون شخصا ليس مؤهلا ؟؟؟ ولكنهم قبلونى . وفى أكتوبر عام 1950 اتجهت للقاهرة ، فى نفس الوقت الذى بدأ اهتمامى للإسلام يتزايد . كان من بين زملائى ، مسلم بريطانى مارتن لينجز ، وكان قد أثث له بيتا فى مصر . كان صديقا لجينون ، وكذلك للرجلين اللذين قابلتهما وتكلمت معهما فى لندن ، ولم يكن يشبه أحدا قابلته من قبل . كان صورة حية لما كان يدور فى ذهنى حتى ذلك الوقت ، من نظريات ، وهكذا قلت لنفسى ، أخيرا وجدت قطعة حية لتصوراتك ، كاملة ومطابقة . كان يعيش خارج المدينة فى بيت تقليدى ، فى منطقة هادئة ، وكنت أزوره وزوجته تقريبا أسبوعيا ، وكانت هذه الزيارة هى هروب من ضوضاء المدينة ، والبحث عن أنيس لا تحس معه بانفصال الداخل عن الخارج . كنت فى حاجة لرفقة . وقد أحببت جاميكا ، كما كرهت مصر ، ببساطة لأنها ليست جاميكا . أين الجبال الزرقاء ، البحر القارى ، البنات الجميلات ؟؟؟ كيف تركت المكان الوحيد الذى شعرت فيه بأنه وطنى ؟؟؟ ولكن لم يكن هذا كل شئ وأنا بعيد عنها ؛ لقد تركت هناك امرأة شابة ، والذى بدونها الحياة أصبحت خالية وجوفاء وشاقة . لقد تعلمت حينئذ كلمة الهوس ماذا تعنى بالضبط ، درس فى منتهى القسوة ، ولكنه مفيد ليفهم الإنسان نفسه ويفهم الآخرين . لم يكن هناك شئ فى حياتى السابقة له أى قيمة ، الحقيقة كانت رغبتى للإنسان الذى احتل تفكيرى ليلا ونهارا ، وتظهر لى فى أحلامى . حينما كنت أقرأ لطلبتى شعر الحب ، كانت الدموع تنهمر من عينى ، على وجنتى ، وكان الطلبة يقول بعضهم لبعض ، أخيرا هذا رجل انجليزى له قلب . لقد كنا نظن أن الرجل الإنجليزى بارد كالثلج . كنت أدرس لمجموعة من الطلبة يتكونون من خمسة أو ست طلاب ، وكنت أشعر معهم بألفة . كراهيتى لمصر كانت لأنها تبعد حوالى 8000 ميل من ذلك المكان الذى كنت أود أن أكون فيه ، ولكنى حبى لهؤلاء الطلبة عوضنى عن ذلك . تمتعت بدفئهم ، وتفتحهم الذهنى ، والثقة التى وضعوها فى لأعلمهم مايريدون معرفته ، وفورا بدأت أحب إيمانهم ، فقد كانت هذه المجموعة من المسلمين الملتزمين . لم تكن عندى شكوك . لو من الممكن أن ألزم نفسى بدين ... أسجن نفسى فى دين ... لن يكون هذا الدين إلا الإسلام . ولكن ليس بعد ! تذكرت صلوات سانت أوجستين يارب أسألك العفة ، ولكن ليس بعد ، وكان من الواضح أمامى ، إن الكثيرين فى مختلف الأعمار يسألون العفة ولكن ليس بعد ، آملين بعمر مديد أمامهم ، ولكنهم يفاجئون بالموت يحل بهم قبل أن تصلهم العفة . كل الأمور سواء ، ربما لم أتغلب على ترددى . ونيتى فى النهاية أن أعتنق الإسلام ، ربما أجلت القرار الحاسم سنة بعد سنة ، وما زلت أقول فيما بعد ، ولكن العمر يداهمنى ... الحقيقة أنه ليست كل الأمور سواء . الحنين إلى جاميكا والشخص الذى أتمناه ، مازالا يشتعلان فى صدرى بالرغم من مرور الشهور ، كأنها تتغذى بعضها من بعض . استيقظت ذات يوم على أن ما يمنعنى من العودة للجزيرة هو المال . وأجريت عدة اتصالات لأجد أنه من الممكن الذهاب إلى جاميكا بحرا ، على ظهر إحدى البواخر ، نوما فقط ، بمبلغ 70 جنيه استرلينى . كنت على يقين بأننى أستطيع توفير هذا المبلغ فى نهاية الفصل الدراسى الحالى ، وفورا تبدلت حياتى ، شاعرا بأن الخلاص قد حان ، وبدأت أتمتع بوجودى بالقاهرة . ولكن أطل سؤأل هام الآن ، والإجابة عنه لا تحتمل التأخير هذه المرة . فرصة إعتناق الإسلام قد لا تعود مرة ثانية . أمامى كان الباب مفتوحا ، وقد يغلق للأبد . وأنا أعلم ما هى الحياة التى تنتظرنى فى جاميكا ، وكنت أشك هل ستكون لى القوة لأعيش هناك فى هذا المحيط كمسلم ؟؟؟ اتخذت القرار الذى يجب أن أتخذه ، مستندا إلى أسباب واضحة ، وربما كان صدمة لمعظم الناس حولى ، وليس فقط للمسلمين منهم . قررت ... كما حددت لنفسى ... أن أبذر البذرة فى قلبى بأن أقبل الإسلام آملا أن تنمو هذه البذرة لتؤتى أكلها نباتا طيبا . لن أقدم أعذارا لهذا القرار ، كما أنى لن ألوم أحدا إذا اتهمنى بالنفاق وبسوء القصد . ولكنه هل من المحتمل أنهم يجرؤون فيقللون من استعداد الله سبحانه وتعالى من أن يعفو عن ضعف الإنسان ، وعن قدرته بأن ينثر النبات والفاكهة من هذه البذرة التى بذرت فى الأرض القاحلة ؟؟؟ (مداخلة: والحمد لله العلى القدير ، فقد حدث ما تنبأ به ، فهو الآن مستشار اللجنة الثقافية الإسلامية بلندن وقد أعتنق الإسلام نتيجة لكتاباته وأبحاثه الكثيرون من المشاهير) على كل حال ، فقد كنت فى وضع حاسم ، وأعرف تماما أنه يجب على أن أفعل ذلك . ذهبت إلى مارتن لينجز ، وقصصت عليه قصتى قائلا له أعطنى الشهادة لأنطق بها ، بمعنى آخر آمنت بالله ربا وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد نبيا ورسولا . كان أول شهر رمضان هو اليوم التالى ، فصمت ، وقمت بشئ لم أكن أتصور أنى سأقوم به . وقد نقلت هذا الخبر لطلبتى ، الذين عمتهم الفرحة العارمة ، وأخذوا يكبرون بصوت عال ، ويقبلون على يحتضنوننى بمنتهى الدفء . والآن تبين لى هذا الحاجز الذى كان بينى وبينهم ، فقد تحطم ، وقبلتهم كأخوة لى . وقبل ستة أسابيع من مغادرتى السرية (لم أذكر لرئبسى أننى سأغادر إلى جاميكا) ، كان أحدهم يأتى إلى يوميا يعلمنى القرآن الكريم . ونظرت لملامحى فى المرآة ، الوجه كان هو هو ، ولكنه مغطى بملامح شخص آخر . فقد كان وجه مسلم ! وتحت الإستغراب أبحرت من الإسكندرية إلى مستقبل مجهول . المصدر:الإسلام وقدر رجل ... جاى إيتون