بسم الله الرحمن الرحيم تم اختيار هذا الموضوع من المواضيع المتميزة برنيم وهذا رابط الموضوع ألصل في منتدى الفكر والعلوم الإسلامية لمن أراد المشاركة فيه [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] والمجال مفتوح في الموضوع الأصل جزى الله خيرا اختنا ماجي صاحبة الموضوع خير الجزاء ووفق الجميع لما فيه خيرهم دنيا واخرى وعذرا على اقتحام الصفحة الأولى لضرورة التنبيه أخوكم محمد يوسف فجال 25/4/2005م ===========
[CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/CENTER] [CENTER] سنقوم برحلة في قطار السيرة والحجز فورآ
أرجوا من كل الأعضاء أن يدعوا عائلاتهم لمشاركتنا بهذه الرحلة الرائعة
أسرعوا
الأماكن محدودة[/CENTER] [CENTER] ملاحظة : يوجد تخفيض على بطاقات الحجز
للكبار نصف السعر
وللصغار مجانآ[/CENTER] [CENTER]
[/CENTER]
[CENTER]وهذه صفارة الإقلاع [/CENTER]
[CENTER] بسم الله بدأنا وعلى الله ربنا توكلنا
سبحان الذي سخر لنا هذا وماكنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون[/CENTER]
[CENTER] رحلتنا سوف تكون لكسب الجنة بإذن الله ولكن سوف نقف عند محطات عديدة وبعدها نصل بالسلامة بإذن الله [/CENTER]
[CENTER]المحطة الأولى[/CENTER]
وهو تعريف ما هو حب الرسول صلى الله عليه وسلم
"إن المقصود بحبه ليس فقط العاطفة المجردة، وإنما موافقة أفعالنا لما يحبه صلى الله عليه وسلم ،وكُره ما يكرهه، وعمل ما يجعله يفرح بنا يوم القيامة...ثم التحرق شوقاً للقياه، مع احتساب أننا لا نحبه إلا لله ، وفي الله ،وبالله"
وخلاصة حبنا له أن يكون- صلى الله عليه وسلم- أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأولادنا ؛ فقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده" ، فلما قال له عمر: "لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي،قال له صلى الله عليه وسلم:"لا، والذي نفسي بيده،حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فلما قال له عمر:"فإنك الآن أحب إلي من نفسي يا رسول الله" ،قال له:" الآن يا عمر" !!
الاسم بالكامل لأبيه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم عليه وعلى نبينا السلام الاسم الكامل لأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة فيجتمع نسب الرسول ص لأبيه و أمه عند كلاب بن مرة تاريخ الميلاد ليلة الإثنين 12 من ربيع الأول من عام الفيل ويوافق 20 أبريل سنة 571 م محل الميلاد مكة المكرمة محل الإقامة أول 50 سنة من حياته ص بمكة المكرمة وآخر 13 سنة بالمدينة المنورة المهنة الرئيسية محمد رسول الله المهن السابقة رعى غنم عمه أبى طالب وذهب معه فى تجارته ثم بعد ذلك تاجر للسيدة خديجة رضى الله عنها فى مالها بالشام
الزوجات توفى صلى الله عليه وسلم عن تسع زوجات وهن عائشة و سودة وحفصة وميمونة وصفية وأم سلمة وزينب بنت جحش وجويرية بنت الحارث وأم حبيبة بالإضافة إلى مارية القبطية وكانت ملك يمينه ص . أما السيدة خديجة رضى الله عنها فقد توفيت بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات
الأبناء عبد الله و القاسم وزينب و رقية و أم كلثوم و فاطمة الزهراء من السيدة خديجة رضى الله عنها ثم إبراهيم من السيدة مارية القبطية وجميعهم توفوا فى حياة الرسول ص عدا السيدة فاطمة الزهراء التى توفيت بعده ص بأربعة أشهر وكانت أول من لحق بالرسول ص من أهل البيت
تاريخ الوفاة ليلةالإثنين 12 من ربيع الأول عن عمر يناهز 63 سنة
محل الوفاة المدينة المنورة موضع القبر فى بيت السيدة عائشة فى الموضع الذى قبض فيه ص لقول سيدنا أبى بكر رضى الله عنه : سمعت رسول الله ص يقول ما دفن نبى إلا حيث قبض . صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم [CENTER] والآن أرحب بمن حلت علينا نسمتهم وشاركونا بالرحلة[/CENTER]
مرحباً بكم على متن قطارنا عبر الزمن في رحاب السيرة العطرة. وليأخذ كل واحد منكم مكانه في القطار ففيه العديد والعديد من العربات ولا تنسوا أن تودعوا أهلكم وتقولوا دعاء السفر.
المحطة الثالثة
نحن الآن في صبيحة يوم الإثنين الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571م بين شعاب مكة، وهاهم الباعة المتجولون يحيطون بالقطار الذي يوشك على المغادرة وكل ينادي على بضاعته.
وها هى أصواتهم تختلط بأصوات الطائفين حول الكعبة في مكة..
وقد شهدتم في هذا الصباح ميلاد الطفل اليتيم الذي ولدته آمنة بنت وهب وهاهو جده عبد المطلب مستبشراً فرحاً بحفيده يحمله ويذهب به إلى الكعبة ويدعو له.
ويقترب منا أحد باعة الصحف المتجولين حول القطار لنقرأ في الصفحة الأولى عناوين أهم الأخبار:
زلزال مدمر يضرب عاصمة الفرس وسقوط أربعة عشر شرفة من إيوان كسرى، والنار (المقدسة) تنطفيء بعد أن استمرت متقدة باستمرار ما يزيد على خمسمائة سنة.
الزلزال يهدم جميع الكنائس القائمة حول بحيرة ساوة وانخفاض مستوى الماء في البحيرة إلى أقل من الربع.
ها هى ثويبة مولاة أبي لهب تترك رضيعيها مسروح وحمزة بن عبد المطلب وتلحق بعبد المطلب لتأخذ منه الوليد الجديد لترضعه لأن أوان رضاعه قد حان.. وتقول لجده: ماذا ستسميه يا عبد المطلب.
ها هو القطار ينطلق وقد كان آخر ما سمعنا من الحوار رد عبد المطلب على ثويبة:
اخترت له اسم محمد ليكون محموداً عند الله في السماء ومحمداً في الأرض عند خلقه ولأولمن له وليمة أدعو قريشاً كلها لتشهد الإسم وتأكل ولأختننه يوم السابع كما هى سنة جده إسماعيل وإبراهيم
قطارنا ينطلق بعيداً في اتجاه البوادي الخضراء والربوع الرملية المتوهجة... ها هم رعاة الغنم ينطلقون بها نحو المراعي.. وتختلط أصوات الثغاء مع أصوات حنين الإبل وبغام الطلا والظباء والقطار يتيه بنا نحو بوادي بني سعد...
محطة بني سعد بن بكر[/CENTER] [CENTER] [/CENTER] وبينما القطار ينهب الأرض نحو ديار بني سعد بن بكر نلتفت حولنا لنتعرف على المسافرين معنا فنرى ركاباً يتأهبون للنزول في محطة بني سعد نتقدم منهم لنتعرف عليهم فيقدمون لنا أنفسهم
تتقدم منا امرأة وزوجها ويتحدث الزوج فيقول:
مرحباً بكم في ديار بني سعد. اسمي الحارث بن عبد العزى المكنى بأبي كبشة. وهذه زوجتي حليمة بنت أبي ذؤيب. وهى من نفس القبيلة.
زوجتي تعمل حاضنة في الخارج فهى متخصصة في إرضاع أطفال قريش. وقد أرضعت أولادي: عبد الله ، وأنيسة ، وحذافة أو جذامة الملقبة بالشيماء. والشيماء الآن كبيرة وقد تركناها في مكة. وبالإضافة إلى أولادي فقد أرضعت أباسفيان بن الحارث بن عبد المطلب وحمزة بن عبد المطلب.
ولكنها أرضعت طفلاً آخر هو من أعجب ما رأينا من الأطفال.
أتحبون سماع قصته: هيا يا حليمة قصي علينا قصة ذلك الطفل اليتيم الأعجوبة. [CENTER] [/CENTER] واعتدلت حليمة في جلستها وأصلحت ثوبها وتهللت أسارير وجهها وهى تروي لنا قصة الصبي اليتيم.. فيبدو أنها تحب أن تحكي عن هذا الطفل.. وذهلنا ونحن نستمع إلى حكايتها.. ولم نلق بالاً لجمال الطبيعة من حولنا ولا للطافة النسيم الذي يدخل علينا من نافذة القطار في ذلك الصباح الجميل فقد كانت كلمات حليمة من أجمل ما سمعنا من كلمات وكانت قصتها تدعو للدهشة والعجب. ولولا أنها قصة حقيقية وأن حليمة لا تكذب لظننا أن هذه القصة من نسج الأساطير.
قالت حليمة:
خرجت من بلدي أبحث عن طفل أحضنه ومعي زوجي وابني الرضيع إلى مكة ومعي مجموعة من الزميلات الحاضنات من بني سعد. وكنت أركب حماراً هزيلاً ولم يكن لدينا طعام إلا شاة نحلب لبنها، ولكن ضرعها ما جاد علينا بقطرة لبن طوال الرحلة إلى مكة، وكذلك كان ثديي فارغاً من اللبن، والصغير الرضيع الذي معي لا ينام ولا يترك أحداً ينام من شدة الجوع وبكاؤه لا ينقطع. وكان حماري الهزيل لا يستطيع المشي حتى اشتكى جميع رفقائي في الرحلة أنني السبب في تأخيرهم.
ولما وصلنا مكة عرض هذا اليتيم على زميلاتي فأبين أن يأخذنه ليرضعنه لأنه يتيم وليس له أب ليدفع مصاريف الحضانة... وذهبت زميلاتي جميعهن وأخذن أطفالاً للحضانة ولم يبق أحد غيري بدون رضيع فكنت مكسوفة الخاطر. ولكنني أبيت أن أرجع دون رضيع أحضنه فصممت على أخذ اليتيم لأنني لم أجد غيره. وشاورت زوجي فوافق على الفور..
ولما أخذت اليتيم أحسست على الفور بتغيير في صدري، ونظرت فإذا ثدياي ممتلئتان لبناً، ورضع اليتيم ورضع معه صغيري حتى شبعا، ثم ناما ، ولاحظت أن اليتيم لا يرضع إلا من الثدي الذي أعطيته له أولاً ولا يقبل أن يرضع من الثدي الآخر الذي يرضع منه ابني الرضيع!!
وقام زوجي ليسقي الشاة فاكتشف أن ضرعها يكاد يلامس الأرض وأنه مليء باللبن فحلبها وشربنا حتى روينا من ذلك اللبن..
ولما ركبت الحمار في رحلة العودة إذا به ينطلق فيسبق جميع الحمير، فتنادي علينا زميلاتنا: (يا حليمة انتظرينا قليلاً وخففي السرعة حتى نلحق بك). ولما كنت أنتظرهن ليلحقن بي كن يقلن: (يا حليمة هل أنت متأكدة أن هذا الحمار هو نفس الحمار الذي جئت به من بني سعد إلى مكة؟؟ ألم يقم أحد بتبديله في مكة؟). (والله إن لهذا الحمار لشأناً عجيباً).
كان زوجي يردد طوال رحلة العودة إلى بني سعد: (تعلمين يا حليمة.. لقد أخذت نسمة مباركة). وكنت فرحة جداً باليتيم وأقول لزوجي: (والله إني لأرجو ذلك)..
وأعجب مافي الأمر أننا لما وصلنا ديار بني سعد حدث أمر عجيب فبلادنا جدباء لا نبات فيها ولا عشب وكانت غنمي تروح لترعى ثم تعود شبعانة ممتلئة لبناً.. وكانت أغنام زميلاتي تروح ثم تعود جياعاً وليس في ضروعها لبن. وكان الناس يقولون للرعاة: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، يقصدونني أنا.. [CENTER] [/CENTER]
ولكن القصة الأعجب هى ما لاحظته على هذا اليتيم المسكين.. فخفت عليه خوفاً شديداً فأعدته إلى أمه..
ها هو القطار قد بدأ يخفف من سرعته تمهيداً للتوقف في ديار بني سعد بن بكر.. ولكنني أعدكم بأن أحكي لكم ماذا حدث لليتيم ولماذا خفنا عليه فأعدناه إلى أمه.. تفضلوا معي إلى خيمتي..
[CENTER]انتظروا حليمة في المحطة التالية بعد أن ننزل في البادية ضيوفاً عليها في ديار بني سعد بن بكر لتحكي لنا لماذا خافت على اليتيم[/CENTER].
هيا بنا ننزل مع حليمة بالبادية ضيوفاً عليها بخيمتها في ديار بني سعد بن بكر
[CENTER] [/CENTER]
قالت حليمة:
كان محمد اليتيم طوال سنتين عندي مصدراً للخير والنماء والبركة، فأغنامي كثرت وكثر لبنها، وكثر الطعام عندنا ، وكان يشب شباباً لا يشبه من هو في مثل سنه، فلما بلغ عامين وفصلته عن الرضاع، كان قد أصبح غلاماً قوياً.
وكان علىًّ أن أعيده إلى أمه فقد انتهت مدة الرضاع. ولكنني لم أكن أريد إرجاعه فقد ازداد تعلقي به وكذلك تعلق به بقيته إخوته من الرضاعة.
فذهبت به إلى مكة، حيث أمه آمنة وفي نيتي ألا أعيده إليها، فقلت لها: تعلمين يا آمنة أن الطفل في هذه الفترة من عمره يكون عرضة للأمراض وخاصة إذا بقى في مكة لأن مكة بها الأوبئة والأمراض، فلو تركته عندي في البادية حتى يكبر قليلاً... وألححت عليها حتى وافقت، ففرحت بذلك أيما فرح..
وعاد معي إلى بادية بني سعد.. ومكث معي سنة أخرى. وكان يلعب في البادية مع الغلمان حيناً ويرعى الغنم حيناً آخر،،
وفي هذه السنة حدث شيء غريب انفطر له قلبي وارتعد له فؤادي...
فقد خرج محمد يلعب مع الغلمان.. وكنت أهتم ببعض شئون بيتي.. وبعد برهة أقبل الغلمان يسعون وهم يصيحون: إن محمداً قد قتل، إن محمداً قد قتل.
فألقيت ما كنت أحمله وخرجت أجري بكل قوتي إلى حيث أشار الغلمان فوجدت محمداً مطروحاً على الأرض وآثار الماء في كل مكان حوله وبقعة من الدم مطروحة على الأرض إلى جواره ولكنه كان حياً.. وكان ينظر إلى وهو منتقع اللون يرجف فؤاده.. فأخذته وضممته إلى صدري حتى سرى عنه وسكن روعه..
وسألته ماذا بك يا حبيبي يا محمد؟ ما الذي أصابك؟:
فأجابني بكل صدق وثقة مما يقول:
بينما كنت ألعب مع الغلمان إذا بملك من السماء ينزل وله أجنحة فأخذني من بين الغلمان ثم قال لي: لا تخف. أنا جبريل. ثم أرقدني على الأرض على ظهري وشق صدري وأنا أنظر واستخرج قلبي ثم استخرج من قلبي تلك العلقة المطروحة هناك على الأرض فقال: هذا حظ الشيطان منك، وكان معه طست من ذهب فغسل قلبي في ذلك الطست، أترين هذا الماء يا أماه؟ وقلت له: من أين أتيت بالماء يا جبريل؟ فقال لي: (هذا من ماء زمزم بمكة يا محمد).. ثم لمس القلب فعاد كما كان ثم أعاده إلى مكانه في صدري. ثم صعد إلى السماء.
ولا أكتمكم أنني خفت على ابني محمد، فلم أكن أعرف ما الذي حل به.. رغم أنه قص القصة بكل براءة وصدق، وخفت أن تتكرر هذه الحادثة وهو معي فسارعت بالعودة به إلى مكة... فأعدته إليها...
شكرنا حليمة السعدية على قصتها المؤثرة كما شكرناها على حسن الضيافة والكرم العربي البدوي الأصيل.. وسمعنا صافرة القطار وهو يؤذن بالإنطلاق في رحلة العودة إلى مكة لنسمع المزيد من أخبار هذا اليتيم ونرى ما الذي حل به بعد أن أعادته حليمة السعدية إلى أمه آمنة بنت وهب..
حينما توقف القطار في مكة المكرمة كانت في استقبالنا آمنة بنت وهب، أم اليتيم محمد.. رحبت بنا ثم قادتنا إلى بيت عبد الله بن عبد المطلب..
ودخلنا وجلسنا..
وبدأت تحدثنا فقالت:
مرحباً بك يا ماجدة ومرحبا بك يا عمر، وظافر وزمردة ومحمد يوسف الفجال وابن جعفر الطيار ووائل ورحمة وتوأم الروح وميماس وأبا أيهاب. كيف كانت رحلتكم؟ علمت أنكم قدمتم من بادية بني سعد لزيارتنا فمرحباً بكم. [CENTER] [/CENTER]
أنا آمنة أم محمد اليتيم.
هل ترغبون في سماع قصتي وقصته؟
سوف أحكي لكم بعد أن تشربوا الحليب وتأكلوا من هذا الشواء وتشربوا الثريد..
خطبني عبد المطلب لابنه عبد الله وكان يحبه حباً جماً لدرجة أنه افتداه من الذبح بمائة من الإبل وكان نذر أن يذبحه..
وكنت أشرف بنت في قريش وكان جميع فتيان قريش يطمعون في التزوج مني فأنا آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .
وأهلي هم بنو زهرة بن كلاب.
وكانت جميع بنات قريش يطمعن في التزوج من عبد الله ولكنه لم يكن يلتفت إليهن وكانت أم قتال رقيقة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل ترى نوراً يسطع بين عيني عبدالله قبل أن يتزوجني فأرادت أن يكون ذلك متصلا بها لما كانت تسمع من أخيها من البشارات بوجود محمد وأنه قد أزف زمانه فعرضت نفسها عليه ليتزوجها فامتنع عليها فلما تزوجني انتقل ذلك النور إلىَّ..
وتوفي أبوه عبدالله وأنا حامل به في بطني وكان زوجي عبدالله قد خرج إلى غزة في الشام في قافلة من قوافل قريش يحملونه تجارات ففرغوا من تجارتهم ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وزوجي يومئذ مريض فقال أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار فأقام عندهم مريضاً شهرا ومضى أصحابه فأتوا إلى مكة فسألناهم عنه فقالوا خلفناه عند اخواله بني عدي بن النجار وهو مريض فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه فأخبره فحزن عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته حزناً شديداً فهو قد توفى وعمره يوم توفي خمس وعشرون سنة .
وكنت حزينة جداً لنبأ موته، فهو لم ير ابنه الذي في بطني والذي سيولد يتيماً. [CENTER] [/CENTER]
وفي ليلة من الليالي كنت أبكي على حبيبي عبد الله حتى غلبني النوم فرأيت في النوم كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام... فقمت من النوم وأنا فرحة جداً بهذه الرؤيا.. وبينما أنا بين النوم واليقظة إذا بهاتف يهتف بي: (يا آمنة إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد، وكل عبد رائد، يذود عني ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد..) فلما ولدته كنت أرقصه وألعبه بهذه الكلمات التي سمعتها.
وسمعت هاتفاً آخر يقول لي: (إذا ولدته فسميه محمداً فإن اسمه في التوراة أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في الإنجيل أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في القرآن محمد).
ولقد أحببته قبل أن يخرج مني لما رأيت من البركة والبشارات.
وما وجدت تلك المشقة التي تجدها المرأة الحبلى حتى وضعته وكانت ولادته بلا ألم ولا عسر.. فلما فصل مني وقع إلى الأرض معتمدا على يديه جاثيا على ركبتيه وخرج معه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى وكان رافعاً رأسه إلى السماء. [CENTER] [/CENTER]
ولقد شهدت ولادته معي أم عثمان بن أبي العاص فاسألوها ماذا رأت؟
وكانت أم عثمان حاضرة مجلسنا فسألها محمد يوسف الفجال ماذا رأيت يومها يا أماه؟ فقالت:
(شهدت ولادة آمنة بنت وهب ليلة ولدته، فما شيء أنظره في البيت إلا نور وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول ليقعن علي).
وقاطعتها الشفاء أم عبدالرحمن بن عوف فقالت: (كنت أنا القابلة التي استقبلته حين خرج من بطن أمه، وأنا التي أخبرت به حين سقط على يدى، ونزل بالهيئة التي أخبرتكم بها آمنة وسمعت قائلاً يقول يرحمك الله ). [CENTER] [/CENTER]
قالت آمنة: فلما وضعته بعثت جاريتي إلى عبدالمطلب فقالت قد ولد لك غلام فانظر إليه فلما جاءني أخبرته وحدثته بما كنت رأيت حين حملت به وما قيل لي فيه وما أمرت أن أسميه فأخذه عبدالمطلب فأدخله في جوف الكعبة وقام يدعو ويشكر الله عز وجل ويقول :
[CENTER]الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان * أعيذه بالبيت ذي الأركان حتــى يكــون بلغة الفتيــان * حتــــى أراه بالغ البنيــــــان أعيــذه مــن كــل ذي شنــآن * من حاســد مضطرب العنــان ذي همة ليس له عينان * حتى أراه رافع اللسان[/CENTER] [CENTER] [/CENTER] أنا الآن أعتزم اصطحابكم معي إلى يثرب نزور قبر زوجي الراحل عبد الله، فهل ستأتون معي؟ ما رأيكم؟
هيا إلى القطار المتوجه إلى يثرب مصطحبين آمنة بنت وهب وهى تزور قبر زوجها عبد الله بن عبد المطلب.
[CENTER]المحطة السابعة[/CENTER] [CENTER] [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل][/CENTER]
كانت آمنة بنت وهب طوال الطريق إلى يثرب تحدثنا عن زوجها عبد الله...
قالت لنا آمنة:
(تعلمون أن عبد الله كان أحسن أولاد عبد المطلب؟ وأعفهم وأحبهم إليه؟ تعلمون أنه هو الذبيح.. لا تعلمون؟ حسناً سوف أخبركم.
إن عبد المطلب كان قد نذر أن يذبح أحد أولاده إن بلغوا عشراً.. فلما ولد له الابن العاشر أخبر أولاده بنذره فأطاعوه فكتب أسماءهم في القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب، وأخذ السكين ثم أقبل به إلى الكعبة ليذبحه، فمنعته قريش ولا سيما أخواله من بني مخزوم وأخوه أبوطالب، فقال عبد المطلب: فكيف أصنع بنذري؟ فأشاروا عليه أن يأتى عرافة فيسألها فأتاها فأمرت أن يضرب القداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل فإن خرجت على عبد الله يزيد عشراً من الإبل حتى يرضى ربه، فإن خرجت على الإبل نحرها، ففعل ولكن القداح كانت تقع على عبد الله في كل مرة، حتى بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها فنحرها عبد المطلب ولم يمنع منها إنساناً ولا سبعاً.. [CENTER] [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] [/CENTER]
وقال لها أبو عبد الوهاب: ماذا ترك لك عبد الله يا أماه بعد موته؟
قالت آمنة: (ترك لي خمسة من الإبل، وغنمة واحدة، كما ترك لي (أم أيمن). واسمها بركة وهى من بلاد الحبشة. أنظروا إليها هناك في تلك العربة. إنها هى حاضنة محمد. تعالى يا أم أيمن وسلمي على ضيوفنا) هذا ما تركه لي عبد الله
لقد ترك لي محمداً...
وقال سارية بلهفة: يكفيك يا أماه أنه ترك لك محمداً.
قالت: بلى ورب الكعبة. [CENTER] [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل][/CENTER]
ثم قالت: لقد رثيت عبد الله بأبيات من الشعر. هل تحفظ يا عمر فضل الله الشعر الذي رثيت به زوجي عبد الله؟
قال عمر فضل الله – في زهو – نعم أحفظه. ثم انبرى يلقي بالأبيات التي قالتها آمنة في رثاء عبد الله بن عبد المطلب:
عفا جانب البطحاء من ابن هاشم === وجاور لحداً خارجاً في الغماغم دعته المنايا دعوة فأجابها === وما تركت في الناس مثل ابن هاشم عشية راحوا يحملون سريره === تعاوره أصحابه في التزاحم فإن تك غالته المنايا وريبها == فقد كان معطاء كثير التراحم
[CENTER] [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]ر[/CENTER]
ولاحظ عمر فضل الله أن عينى أمه آمنة تدمعان.. فكف عن إلقاء الشعر ودمعت عيناه... ونظر فإذا الجميع يبكون وهم مطرقون إلى الأرض...
وساد الصمت جنبات القطار فجأة، فلا تسمع إلا طرقات عجلاته السريعة الرتيبة على قضبان السكة الحديد...
وفجأة قطعته آمنة بقولها: (سوف أمكث في يثرب شهراً كاملاً بجوار قبر زوجي).. [CENTER] [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل][/CENTER]
هذه هى يثرب..
هذه أسواقها
هذا هو النخل.. وبساتينها وحدائقها..
هذه منازل الأوس،،
وهؤلاء هم الخزرج..
كم أحب هذه البقاع.. كم أحب هذا التراب..
هنا يرقد زوجي..
ونادت على أم أيمن:
(يا أم أيمن.. تعالى ومحمداً.. حتى نزور زوجي..)
ائذنوا لي يا أبنائي في خلوة أنا ومحمد ابني لنجلس قليلاً بجوار قبر زوجي عبد الله.. سوف أعود إليكم بعد قليل.. سنزور أهلي من بني النجار فهم قد أعدوا لنا الضيافة حتى نستريح من عناء الرحلة.. [CENTER] [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل][/CENTER]
وقضينا في يثرب شهراً ونيف. نتجول في أسواقها، وننظر إلى حصونها ونأكل من تمرها وبلحها ونشرب من مياه الآبار المنتشرة فيها.
وبينما نحن في ديار أسعد بن زرارة من بني النجار إذا بأعرابي يقدم من الأبواء فيقول:
أين الركب الذي كانوا برفقة آمنة بنت وهب وابنها اليتيم حين قدموا من مكة؟ فقلنا جميعاً بصوت واحد: (نعم نحن أبناء رنيم، كنا معها.. )
فقال بصوت حزين: (لقد مرضت آمنة مرضاً شديداً وألح عليها المرض، فماتت بالأبواء وهى راجعة إلى مكة.. ودفناها منذ يومين). واختلطت أصواتنا ونحن نقول:
(وأين محمد؟) قال الأعرابي: (لقد قفلت به حاضنته أم أيمن إلى مكة..)
[CENTER] [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل][/CENTER]
فتسابقنا إلى القطار لنطير عائدين إلى مكة وقلوبنا تتفطر على محمد..
استقبلتنا أم أيمن في محطة القطار وأخذتنا إلى بيت عبد المطلب.
قالت أم أيمن: كانت آمنة تشتكي المرض منذ أن سمعت بوفاة زوجها عبد الله، واشتد عليها المرض وهى راجعة إلى مكة. وكان عبد المطلب قد لحق بنا في يثرب وعاد معنا إلى مكة.. وشهد وفاة آمنة ودفنها بالأبواء. ثم عاد مع محمد ومعي إلى مكة...
إن محمداً معه الآن وقد خرجا إلى الكعبة.
إنه لا يترك محمداً ولو لبرهة من الزمان، وهو يحنو عليه ويرق له.
قال وائل الخطيب: وكيف ذلك يا أم أيمن؟ [CENTER] [/CENTER] قالت أم أيمن: (إنه يؤثره على أولاده.. كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له. ولكن محمداً وهو غلام صغير السن كان يأتي حتى يجلس على ذلك الفراش، فيقوم أعمامه ليمنعوه من الجلوس على الفراش.. ولكن عبد المطلب كان يقول لهم: دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأناً ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع)..
وفي ليلة من الليالي المقمرة بمكة، كان عبد المطلب على فراش الموت، فنادى ابنه أبا طالب وقال له: (يابنى، إني قد حضرتني الوفاة، وإني أعهد إليك بابني محمد، لتكفله وترعاه، فعمره اليوم ثمان سنوات وشهران وعشرة أيام...)
قال أبوطالب: (سأفعل يا أبتاه.. فمحمد هو ابني ...)..
ولما مات عبد المطلب وانتقل محمد إلى بيت عمه أبي طالب دعانا أبو طالب إلى بيته..
ولبينا الدعوة.. وكانت السنة سنة قحط وجفاف شديد..
قال أبو طالب: أتدري يا فراس أنني أحببت محمداً كما لم أحب أحداً من قبل؟
قال فراس: عجباً يا عماه،، وكيف ذلك؟
قال أبو طالب: رأيت من محمد أشياء عجيبة،، إنه يفكر كما يفكر الكبار ويسلك سلوك الكبار، فهو عاقل جداً وقليل الكلام، لكنه إذا تكلم قال كلاماً فصلاً..
وقال علي الرشاد: وأين محمداً الآن يا عماه؟
قال أبو طالب: إنه خرج يرعى الغنم.. فهو يرعى الأغنام ويجد متعة شديدة في رعيها.. وهو يحمل عصا لكنه لا يضرب بها الأغنام، بل إن الأغنام لتتبعه أينما ذهب، وكأنها تحبه..
قالت توأم الروح: عجباً من هذا الكلام، الأغنام تحب محمداً؟ ولماذا يا عم؟
قال أبو طالب: سأريكم غداً أمراً عجباً من أمور محمد إذا عاد من رعى الغنم.. وقلنا جميعاً: نحن نحب والله أن نرى هذا الأمر..
وفي صباح اليوم التالي: خرجنا جميعنا مبكرين لنلقى أباطالب.. وكان محمد قد عاد بالأغنام ليلاً..
قال أبو الفهد: لقد وعدتنا يا أباطالب أن ترينا من محمد أمراً عجباً ... قال أبوطالب: نعم لقد كان عندي البارحة أشراف قريش ورجالها، جاءوني يشكون من قلة المطر وقحط الوادي وجدب العيال ودعوني لأستسقى لهم واليوم سوف آخذ محمداً إلى الكعبة.. فاتبعونا وانظروا بأنفسكم..
ثم نادى،، يا محمد: هلم بنا إلى الكعبة..
وخرجنا نتبعهما.. وفي الطريق لقينا جلهمة بن عرفطة فقال: هل تريدون أباطالب؟ فقال سارية: نعم وأين هو؟
قال جلهمة: لقد توجه صوب الكعبة ومعه غلام أقمر أنور مضيء الوجه، شديد سواد الشعر شديد بياض الأسنان مفلجهما كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قثماء، يقال له محمد، إنه هناك.. انظروا إليه.. إنه يستسقي به
ونظرنا إلى السماء فكانت صافية ولم يكن فيها سحاب ولا قزعة
ونظرنا فإذا محمد وحوله غلمان.. وأخذه أبوطالب فألصق ظهره بالكعبة..
ولمس محمداً بيده ثم رفع يده إلى السماء فقال: اللهم اسقنا بهذا الغلام. اللهم اسقنا بمحمد
ونظرنا إلى السماء مرة أخرى فإذا السحاب يقبل من هاهنا وهاهنا، وأغدق واغدودق.. ونزل المطر.. غزيراً فجرينا إلى منزل أبي طالب نحتمي به من المطر.. وانفجرت وديان مكة بالمياه.. وسمعنا خرير الماء وهو يملأ شوارع مكة.. وسمعنا صوت أبي طالب فرحاً جذلاناً يتغنى:
محمد يبلغ من العمر الآن اثنتى عشرة سنة ، وهو يرعى الغنم لأهل مكة مقابل قراريط يعطونه إياها.. وهو سعيد بذلك لأن رعى الغنم يجعه يقضي النهار بأكمله في البادية، يجلس تحت ظل شجرة يتأمل ويفكر..
ولم يكن عمه أبو طالب يريده أن يستمر في رعى الغنم، بل كان يريده أن يعمل بالتجارة فيذهب إلى اليمن في الشتاء فإذا حل الصيف يمضي إلى الشام كعادة أهل قريش في إيلافهم هذه الرحلات.
أبوطالب يقبل علينا بوجهه المشرق وهو يقول: (يا زمردة، يا ماجي، يا توأم الروح ,يا رحمة ,يا لمى.. ألا تساعدن أم أيمن؟ إنها تعد الزاد لمحمد في رحلته القادمة إلى الشام..) أريدك يا زمردة أن تغسلي ثوب محمد...
وتسابقت الأخوات نحو الثوب ليغسلنه ، ولكن زمردة فازت به. فهى التي كانت أقرب إلى أم أيمن.. وأخذت زمردة الثوب ثم قالت: (أهذا الثوب معطر يا أماه؟ إن رائحته طيبة جداً، إني لأشم منه رائحة المسك والعنبر)
ضحكت أم أيمن وقالت: (هذه رائحة عرق محمد يا زمردة.. فالحر قد اشتد وتعلمين أن محمداً يخرج إلى الخلاء يرعى الغنم فلابد له أن يعرق)..
قالت توأم الروح ؟ (وأين بقية ثيابه؟) أريد أن أغسلها أنا أيضاً.. قالت أم أيمن: (ليس له غير هذا الثوب. وهو حلة يمانية كان قد اشتراها له جده عبد المطلب من اليمن).
ونظر بعضنا إلى بعض في دهشة وحيرة..
قال عمر فضل الله: (إنني أخاف كلما فتح أحد أولادي خزانة ملابسه أن تنهار عليه الملابس فتقتله من شدة اكتظاظها وازدحامها في الخزانة وهم رغم ذلك يتذمرون من قلة الملابس ويطالبونني بالمزيد).. وضحكنا جميعنا مما قال عمر فضل الله.
طلع الصباح في مكة، وسمعنا أصوات الطائفين فمنزل أبي طالب قريب من الكعبة.. وتجهزت القافلة للرحيل نحو الشام.. وجاء تجار قريش وقد تأهبوا للرحيل.. واتجهت القافلة نحو الشام.
كان النهار قائظاً والحر شديداً.. ونظرنا فإذا سحابة تسير معنا أينما سرنا.. وكانت تظلل محمداً.. تسير إذا سار وتقف إذا وقف..
وكان في الركب شاب اسمه شيبة الحمد وكنيته أبوبكر.. وكانوا ينادونه عتيق أحياناً.. وكان ينظر إلى السحابة التي تظلل محمداً ويتعجب..
اقتربنا من أرض بصرى بالشام..
وكان التعب قد أخذ منا كل مأخذ ولكننا كنا مستمتعين بالرحلة جداً.. وكنا نسأل الفجال عن المعالم فيجيبنا..
وعلى بعد ستة أميال من بصرى مررنا بقرية يقال لها الكفر ورأينا فيها صومعة لأحد الرهبان.. قال أبو طالب: ( هذه صومعة بحيرى..الراهب).
قال وائل الخطيب ؟ (ومن يكون بحيرى الراهب هذا يا عماه؟)
ولكن ظافر بادر بالإجابة فقال: ( إنه راهب مسيحي نسطوري على مذهب أريوس ونسطور وهو ينكر لاهوت المسيح ويقول أن تسميته بإله غير جائزة بل يجب أن يدعى كلمة وأن تدعى والدته مريم والدة الناسوت الذي هو مظهر الكلمة السامي وليس والدة اللّه وهو قس عالم بالفلك والنجوم)..
قال عبد المطلب: (لا تشغلوا أنفسكم به ولا بصومعته.. فعموماً هو لا يخرج منها أبداً ولا يكلم أحداً.. وكنا كلما نمر عليه بقوافلنا يطل علينا منها وينذرنا بعبادة اللّه الواحد وينهانا عن عبادة اللات والعزى. وأنا أعرف تلميذين من تلاميذه فالأول اسمه مذهب، أما الثاني فاسمه سلمان الفارسي النصراني لأنه من بلاد فارس). وقد سألت سلمان مرة: ماذا تعني كلمة (بحيرا يا سلمان؟ فقال: معناها في السريانية العالم المتبحر).
وكما توقعنا وكما قال أبوطالب: فقد أشرف علينا بحيرا من صومعته حينما سمع أصوات الجمال تختلط بأصوات التجار، ولعله سمع صوت وائل الخطيب وهو يهعهع كعادته..
أشرف علينا بحيرا ولكنه في هذه المرة وجم صامتاً ولم يتكلم.. وأخذ ينظر إلى الغلمان الذين مع القافلة.. ورأى السحابة وهى تظلل محمداً.. وعلت الدهشة وجهه.
قال أبو طالب (ما رأيكم أن ننزل هاهنا تحت هذه الشجرة قبل أن ندخل بصرى فنستريح ونأكل؟)
قال الفجال: (هل قلت نأكل؟) (موافق) فأنا أحب الأكل جداً.. وضحك أبوطالب وأمر القافلة بأن تحط رحلها.
بدأ الناس ينيخون إبلهم ، واتجه محمد نحو الشجرة.. فجلس تحت ظلها.. ومالت عليه أغصانها فظللته..
قال أبو الفهد: (هل رأيتم أغصان الشجرة؟ لقد مالت على محمد فظللته؟) قال له سارية: (ومن أدراك هل رأيته؟) قال أبو الفهد: (لا لم أره ولكنني كنت أراقب بحيرا الراهب وكنت قريباً منه) لقد نزل بحيرا من صومعته لأول مرة وذهب نحو محمد ينظر إليه وسمعته يتمتم وهو يقول: (انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، أنظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.. يا ويحه سوف يقتله اليهود)...
وبعد دقائق قليلة أرسل إلينا بحيرا تلميذه مذهب فقال يقول لكم بحيرا إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش. فإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم. وعبدكم وحركم.
فذهب علي الرشاد وقال له: يقول لك أبوطالب: (واللّه يا بحيرا إن لك شأنا اليوم ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيراً فما شأنك اليوم؟ قال بحيرا صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاماً فتأكلون منه كلكم. فاجتمعوا).
وذهبنا جميعنا نلبي الدعوة. ما عدا محمداً الذي بقى يحرس الرحال تحت الشجرة فقد كان أصغر القوم سناً. وجعل الناس يأكلون وبحيرا ينظر إليهم .
ثم قال فجأة: (يا معشر قريش، ألم أقل لكم ألا يتخلف منكم أحد عن طعامي؟ قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سناً وهو يحرس لنا متاعنا في رحالنا).
قال بحيرا: ادعوه ليحضر طعامي، فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم، فقال أحد بن هاشم: هو والله أوسطنا، نسبا وهو ابن أخي هذا الرجل – وأشار إلى أبي طالب - وهو من ولد عبد المطلب
فقال الحارث بن عبد المطلب: والله إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأقبل به حتى أجلسه على الطعام والغمامة تسير على رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء في جسده ويتفحصه.
فلما فرغنا من الطعام قام بحيرا وتوجه نحو محمد وقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك؟ فقال محمد: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا بغضهما، قال: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه. قال: سلني عما بدا لك،
فجعل يسأل ومحمد يجيب وبحيرا يتعجب، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتماً بين كتفيه يشبه بيضة الحمامة فقام يقبل موضع الخاتم، وقالت قريش: إن لمحمد عند هذا الراهب لقدراً.
وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه، فقال بحيرا الراهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: هو ابني، قال: ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا؟ قال: فابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: هلك وأمه حبلى به، قال: فما فعلت أمه؟ قال: توفيت قريبا. قال: صدقت.
ثم انفرد بأبي طالب وقال له: (ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فوالله لئن عرفوا منه ما أعرف ليقتلنه على الفور، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتابنا، واعلم أني قد أديت إليك النصيحة.)
عاد أبو طالب إلينا بوجه غير الذي كلم به بحيرا،
كان مهموماً وصامتاً..
توجه إليه أبو عبد الله وقال: (ماذا يا عماه؟)
قال أبو طالب: أخاف على محمد ابن أخي. وسوف أعود به سريعا، فقد قال لي بحيرا: أنه رأى بعضاً من رجال يهود وقد رأوا محمداً، وعرفوا صفته، وهم يخططون لاغتياله ، وذهبوا بالفعل إلى بحيرا فذكروا له أمره فنهاهم أشد النهي، وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل لأن ما قدر الله يكون)، فصدقوه وتركوه.
قال أبو طالب: غداً أعود بابن أخي إلى مكة..
سوف نقطع رحلتنا إلى الشام ونعود سريعاً مع أبي طالب ومحمد إلى مكة.
وفي شعبان من هذه السنة قررنا أن نذهب إلى سوق عكاظ كعادتنا في كل مرة فنتهاجى وننشد الشعر،،
وبينما نحن في السوق إذا بقافلة من الإبل بعث بها النعمان بن المنذر أمير الحيرة وهى تحمل العطور والملابس..
وتركنا الشعر وذهبنا نتفرج وهناك سمعنا عروة الرجال (وهومن بني هوازن) يعلن عن حماية القافلة.
وحدثت مشاحنة بينه وبين (البراض بن قيس) الذي قال له: "أتجير على كنانة؟" فقال عروة : "نعم وعلى الخلق كلهم"
وغضب البراض فتبع عروة.. وقتله عندما خرج من السوق ثم هرب إلى خيبر فاستخفى بها.
وبعد قليل جاء بشر بن أبي خازم الأسدي الشاعر فقال: يا عبد اللّه بن جدعان وهشام بن المغيرة وحرب بن أمية ونوفل بن معاوية الدبلي وبلعاء بن قيس اذهبوا إلى مكة حتى لا تغدر بكم قيس فتقتلكم انتقاماً لمقتل عروة.
فخرجوا مسرعين إلى الحرم ووذهبنا معهم.
وسرعان ما بلغ قيساً الخبر آخر ذلك اليوم فقال أبو براء رئيس هوازن ما كنا من قريش إلا في خدعة فخرجوا في آثارنا فلم يدركونا إلا بعدما دخلنا الحرم فنادانا رجل من بني عامر يقال له الأدرم بن شعيب بأعلى صوته: أن ميعاد ما بيننا وبينكم هذه الليالي من قابل وإنا لا نأتي في جمع كثير.
ولم تقم في تلك السنة سوق عكاظ فمكثت قبائل قريش و كنانة وأسد سنة يتأهبون لهذه الحرب ضد قبيلة قيس.
وجاءت قيس في الموعد المضروب وبدأت المعركة فكان النصر في أول النهار لقيس على كنانة وهوازن وحلفائهم من قريش.
ثم أصبح النصر آخر النهار لصالح قريش وكنانة على قيس فقتلوهم قتلا ذريعاً حتى نادى عتبة بن ربيعة يومئذ - وإنه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة - إلى الصلح فاصطلحوا على أن عدوا القتلى وردت قريش لقيس ما قتلت فضلا عن قتلاهم ووضعت الحرب أوزارها فانصرفت قريش وقيس.
وخرجنا فشهدنا تلك الحرب من بعيد..
قال ابن جعفر الطيار:
أبشركم أن محمداً قد رجع من الحرب بخير.
قالت شهد: (لقد سمعت محمداً يخبر أم أيمن بما فعل في الحرب)
قال أم صهيب في لهفة: وماذا قال لها؟ قالت أم صهيب: قال محمد: ("قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن فعلت")
قالت أم أيمن: وماذا كنت تفعل في هذه الحرب:؟ قال محمد:"كنت أنبل على أعمامي" يعني أناولهم النبل.
وبعد أربعة أشهر من الحرب قابلنا طلحة بن عبد الله وسأله الدكتور سارية فقال: (من أين أقبلت يا طلحة؟) فقال طلحة من دار عبد الله بن جدعان.
قال ظافر: (وماذا كنت تفعل هناك يا طلحة؟)
قال طلحة: (شهدت حلف الفضول)
فقالت رحمة: (وما حلف الفضول؟)
قال طلحة: أما سمعتم القصة؟
قلنا : لا
قال طلحة: ( حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبدالمطلب وكان سببه أن رجلاً من زبيد بأرض اليمن قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل ولكنه لم يعطه حقه فذهب الزبيدي إلى الأحلاف يشتكي إليهم)
قال ميماس: (الأحلاف؟ لم أسمع بهم)
قال طلحة: (الأحلاف هم عبد الدار ومخزوم وجمح وسهم وعدي بن كعب)
ولكنهم أبوا أن يعينوا الزبيدي على العاص بن وائل وانتهروه وطردوه. فلما رأى الزبيدي ذلك وخاف على حقه أن يضيع صعد على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فنادى بأعلى صوته: [CENTER] يا آل فهر لمظلوم بضاعته * ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته * يا للرجال وبين الحجر والحجر إن الحرام لمن أثت كرامته * ولا حرام لثوب الفاجر الغدر [/CENTER]
فسمع الزبير بن عبد المطلب نداء واستغاثة الزبيدي وقال: ما لهذا مترك. وذهب فجمع بني هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبدالله بن جدعان وصنع لهم طعاما وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة وما رسى ثبير وحراء مكانهما وعلى التأسي في المعاش)
قال بريزس: (وبذلك سمى هذا الحلف حلف الفضول)
قال طلحة : نعم لأن هؤلاء دخلوا في فضل من الأمر ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه وقال الزبير بن عبدالمطلب في ذلك :
[CENTER]حلفت لنعقدن حلفا عليهم * وإن كنا جميعا أهل دار نسميه الفضول إذا عقدنا * يعزبه الغريب لذي الجوار ويعلم من حوالي البيت أنا * أباة الضيم نمنع كل عار [/CENTER]
وقال الزبير أيضا [CENTER] إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا * ألا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا * فالجار والمعتر فيهم سالم [/CENTER]
قال طلحة: ولقد شهد محمد هذا الحلف وكان من بين بني هاشم وسمعته يقول (لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت)
قالت ماجي: (عندي لكم خبر بمليون) قال فراس: (وما هو؟) قالت ماجي: (علمت أن محمداً سيعود إلى الشام مرة أخرى)
قال فراس: وكيف عرفت ذلك؟
قالت ماجي: (لقد علمت أن خديجة بنت خويلد بعثت إلى محمد بعد أن علمت صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً، على أن تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، وقالت له: سوف أبعث معك غلامي ميسرة لأنه سافر كثيراً إلى الشام ويعرف أحوال التجارة هناك.)
قال دكتور سارية: (وهل وافق محمد؟)
قالت ماجي : (نعم، وهو يتهيأ الآن للخروج مع ميسرة للتجارة في الشام).
قال الفجال: (إذن سنعود مرة أخرى إلى الشام. يا فرحتاه) قال عمر فضل الله: (نعم والله يا فرحتاه ففي المرة السابقة لم نمكث في الشام ورجعنا سريعاً ولم نشتر من أسواقها ولم نأكل من موائدها إلا من مائدة الراهب بحيرا).
قال فراس: (يا علي الرشاد، هل سترافقنا في رحلة الشام؟) قال علي الرشاد:(بالطبع يا فراس.. هذه رحلة لا يمكن أن نفوتها أبداً)