منتدى المشاركات المتميزة يعنى بالمواضيع المتميزة الهادفة الرائعة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 03-05-2005, 00:36   رقم المشاركة : 21
magi
الوسام الرنيمي البلاتيني
 
الصورة الرمزية magi





magi is on a distinguished road

magi غير متواجد حالياً

 

افتراضي

المحطة العشرون




مازال أهل رنيم في ضيافة حمزة بن عبد المطلب
قال حمزة : هل تعلمون أن عمر بن الخطاب قد أسلم بعد ثلاثة أيام من إسلامي ؟
قال ( فراس ) يا لها من مفارقة أضاءت برق آخر في ظل الجو الملبد بغيوم الظلم
ثم أردف ( فراس) هل لنا أن نسمع منك يا عماه المزيد عن إسلام عمر بن الخطاب ؟
قال حمزة : بالطبع – هو عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ،.
ويلتقي نسبه مع نسب محمد في كعب .
ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة

قال ( فارس الإسلام ) قص علينا بعضاً من نشأته يا عماه
قال حمزة :
وُلِد عمر بن الخطاب في مكة ونشأ بها، وكان أبوه "الخطاب" معروفًا بشدَّته وغلظته، وكان رجلاً ذكيًّا، ذا مكانة في قومه، شجاعًا جريئا، كما كان فارسًا من فرسان العرب، شارك في العديد من الحروب والمعارك، وكان على رأس بني عدي في حرب الفجار،
وحظي عمر - في طفولته - بما لم يَحْظَ به كثير من أقرانه من أبناء قريش، فقد تعلَّم القراءة والكتابة، ولم يكن يجيدها في قريش كلها غير سبعة عشر رجلاً.



ولما شبَّ عمر كان يرعى في إبل أبيه، و يأخذ نفسه بشيء من الرياضة، وقد آتاه الله بسطة من الجسم، فأجاد المصارعة، وركوب الخيل، كما أتقن الفروسية والرمي.
و كغيره من شباب مكة - محبًّا للهو والشراب، ، إلا أنه عرف بشدة اعتداده بنفسه حتى إنه ليتعصب لرأيه ولا يقبل فيه جدلاً.

كما كانت إليه السفارة في الجاهلية ، إذا وقعت بين قريش وبين غيرها حرب ، بعثته سفيرا يتكلم باسمها ، وإن نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر، بعثوا به منافراً عنهم ، ومفاخراً بهم .



قال ( نادي هاشم ) و ماذا عن ملامحه و شكله يا عماه ؟
قال حمزة :
هو طويلا بائن الطول ، إذا مشى بين الناس أشرف عليهم كأنه راكب ، أسمر، مشربا بحمرة ، حسن الوجه ، غليظ القدمين والكفين ، أصلع خفيف العارضين ، جلداً شديد الخلق ، ضخم الجثة ، قوي البنية ، جهوري الصوت .

قال ( أحمد ظافر ) و ماذا كان موقفه من الدعوة ؟
قال حمزة :

عندما بدأت الدعوة تنتشر، أخذ المشركون من أهل مكة يتعرضون للمسلمين ليردوهم عن دينهم، وكان "عمر" من أشدِّ هؤلاء حربًا على الإسلام والمسلمين، ومن أشدهم عداء لمحمد وأصحابه.
وعلي الرغم من قوة فكره ، و رجاحة عقله ،و سداد رايه ،و حبه للحق و الانصاف - كان شديد التعصب لآلهة ابائه و اجداده ، شديد الحرص علي تقاليد القبيلة و عاداتها، يري في المساس بالآلهة نقصاً لكرامته ،و امتهانا لعزته،و لذا فقد كان عنيفا فى انكاره دعوة الاسلام،عنيفا فى خصومته للمسلمين، يؤذيهم فيشتد في الايذاء،و ينكل بهم فيشتط فى التنكيل،




قال ( وائل الخطيب ) و كيف كان ذلك يا عماه ؟
قال حمزة :
كان عمر له جارية في الجاهلية إسمها ( لبينة ) و ان(ابا بكر) اشترى منه جاريته لينقذها من بطشه و اذاه.
يا أبنائي – ها هو عمر بن الخطاب قادم إلينا

و ناداه حمزة فقدم إلينا و هو كما وصفه لنا حمزة طويلاً ضخماً
قال عمر : مرحباً بضيوفنا الكرام
قال حمزة : كنت أقص عليهم ما كان منك بالجاهلية – فضحك عمر حتى بدت نواجذه -
فسالته ( سلمى ) عما يضحكه،

فقال لنا :ضحكت من جهلى و سفهى فى جاهليتى !
فقد صنعت صنعت يوما صنما من العجوة،و لبثت أعبده و أتقرب له جزءاً طويلاً من النهار،
حتى اذا لذعنى الجوع بسياطه،و قرص احشائى-نظرت الى صنمى فاكلته.

ثم لا حظنا تغير وجهه فسأتله ( رحمة ) ماذا هناك يا عماه نراك تدمع
قال عمر : نعم ذكرت ابنة لى فى جاهليتى اخذتها خارج مكة، و رحت احفر لها حفرة لادفنها حية
فتطاير التراب على لحيتى فكانت تنفض الغبار عن لحيتى بيدها الرقيقة الحانية !

وكما أذكر أذيتي لجاري الذي أسلم قبلي (عبد الله بن عامر) و زوجته، ،فكان يحظى بنصيب موفور من ايذائي.
فلما كانا يتعدان للرحيل إلى الحبشة فجئته و كان قد خرج لبعض شانه فرأيت زوجته تعد العدة للسفر فسألتها فى رقة بالغة، و عطف شديد:( أهو الرحيل،يا ام عبد الله؟ )
فأجابتني المراة:( نعم، آذيتمونا و قهرتمونا فى ارضنا )
و كان ذلك أول ما وقع في قلبي من رحمة

فرققت لها رقة شديدة،و انجابت الغيوم عن بئر الرحمة فى قلبي ، و قلت للمرأة فى نبرة آسية:
صحبكم الله !
ثم حدثني زوجها بعد إسلامي ليمازحني عما حدث بينهما فقال لي :و لما جئت زوجتي حكت لي ما حدث ،و هى متهللة مستبشرة،
فقلت لها: أظنك طمعت فى اسلامه..و الله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب !
و لكن صدق حدس زوجتي ، و خاب رأيي ! فاسلمت يا عمر




قال ( محمد يوسف فجال) قص علينا يا عمر كيف كان إسلامك ؟

قال عمر : كانت تضطرع في نفسي مشاعر متناقضة ؛ احترامي للتقاليد التي سنها الآباء والأجداد وتحمسي لها، ثم إعجابي بصلابة المسلمين، وباحتمالهم البلاء في سبيل العقيدة، ثم الشكوك التي كانت تساورني كأي عاقل ـ في أن ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجل وأزكى من غيره،
فالتجأت ليلة إلى المبيت خارج بيتي ، فجئت إلى الحرم، ودخلت في ستر الكعبة، و محمد قائم يصلي،
وقد استفتح سورة ‏{‏الْحَاقَّةُ‏}‏،
فجعلت أستمع إلى القرآن، وأعجب من تأليفه، ‏ فقلت في نفسي‏:‏ هذا والله شاعر، كما قالت قريش ثم قرأ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ‏}‏
قلت‏:‏ كاهن‏.‏ قال‏:‏‏{‏ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏
فوقع الإسلام في قلبي‏.‏

قال ( ابو عبد الوهاب ) و ماذا حدث بعد وقوع نواة الإسلام في قلبك ؟
قال عمر : خرجت يومًا متوشحًا سيفي أريد القضاء محمد، فلقيني رجل من بني مخزوم
فقال‏:‏ أين تعمد يا عمر‏؟‏ قلت‏:‏ أريد أن أقتل محمدًا‏.‏
قال‏:‏ كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدًا‏؟‏
فقلت له ‏:‏ ما أراك إلا قد صبوت، وتركت دينك الذي كنت عليه، قال‏:‏ أفلا أدلك على العجب يا عمر ‏!
‏ إن أختك وخَتَنَكَ قد صبوا، وتركا دينك الذي أنت عليه،
فمشيت إليهما، وكان عندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها‏:‏ ‏[‏طه‏]‏ يقرئهما إياها ،
فلما سمع خباب صوتي توارى في البيت، وسترت فاطمة ـ أختي ـ الصحيفة‏.‏
وكنت قد سمعت حين دنوت من البيت قراءة خباب إليهما،
فلما دخلت عليهما قلت‏:‏ ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم‏؟
‏ فقالا‏:‏ ما عدا حديثًا تحدثناه بيننا‏.
‏ قلت‏:‏ فلعلكما قد صبوتما‏.‏
فقال لي ختني‏:‏ يا عمر، أرأيت إن كان الحق في غير دينك‏؟‏ فوثبت عليه فوطئه وطأته شديدًا‏.
‏ فجاءت أختي فرفعتني عن زوجها، فنفحتها نفحة بيدي، فدمى وجهها
فقالت، وهي غضبى‏:‏ يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا رسول الله ‏.‏

فلما يئست ، ورأيت ما بأختي من الدم ندمت واستحييت،
قلت‏:‏ أعطونى هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه،
فقالت أختي‏:‏ إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل،
فقمت فاغتسلت، ثم أخذت الكتاب، فقرأ‏ت:‏ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏
فقلت‏:‏ أسماء طيبة طاهرة‏.
‏ ثم قرأت‏[‏طه‏]‏ حتى انتهيت إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي أَنَا الله ُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي‏}
‏ فقلت‏:‏ ما أحسن هذا الكلام وأكرمه‏؟‏ دلوني على محمد‏.‏

فلما سمع خباب قولي خرج من البيت،
فقال‏:‏ أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة محمد لك ليلة الخميس‏:‏ ‏(اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام‏)‏، و محمد في الدار التي في أصل الصفا‏.‏

فأخذت سيفي، فتوشحته، ثم انطلقت حتى أتيت الدار، فضربت الباب، فقام رجل ينظر من خلل الباب، فرآني متوشحًا السيف، فأخبر محمد ، واستجمع القوم،
فقال لهم حمزة‏:‏ ما لكم ‏؟‏ قالوا‏:‏ عمر‏؟‏ فقال‏:‏ وعمر‏؟‏
افتحوا له الباب، فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرًا قتلناه بسيفه، و محمد داخل يوحى إليه،
فخرج إليّ حتى لقيني في الحجرة، فأخذ بمجامع ثوبي وحمائل السيف، ثم جبذني جبذة شديدة فقال‏:‏ ‏(‏أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزى والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة‏ ؟
‏ اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب‏)‏
فقال عمر‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ‏.‏ وأسلمت، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد‏.‏




قالت ( أم محمد ) ما أحلى ما سمعنا منك يا عماه – و الله إن الدموع تملأ عيوننا – و ما كان موقف قريش من إسلامك يا عمر ؟
قال عمر :
لما أسلمت تذكرت - أي أهل مكة أشد لمحمد عداوة ؟
قلت‏:‏ أبو جهل، فأتيت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إلىّ، وقال‏:‏ أهلاً وسهلاً، ما جاء بك‏؟‏
قلت : جئت لأخبرك إني قد آمنت بالله وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به،‏ فضرب الباب في وجهي، وقال‏:‏ قبحك الله ، وقبح ما جئت به‏.‏

ثم سألت أي أهل مكة أنشأ للحديث‏؟
‏ فقالوا‏:‏ جميل بن معمر الجمحى‏.‏ فخرجت إليه ، فأتيته، فقلت‏:‏ ياجميل، إني قد أسلمت،
فو الله ما رد عليّ كلمة حتى قام عامدًا إلى المسجد فنادى بأعلى صوته أن‏:‏ يا قريش، إن ابن الخطاب قد صبأ‏.‏
فقلت ‏:‏ كذب، ولكنى قد أسلمت ، فثاروا إليّ فما زلت أقاتلهم ويقاتلوني حتى قامت الشمس على رءوسهم، و أعييت فقعدت ، وقاموا على رأسي، و أنا أقول ‏:‏ افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا‏.‏





قال ( فراس ) لأي شيء سميت الفاروق‏؟‏
قال عمر ‏:‏ أسلم حمزة قبلى بثلاثة أيام ـ ثم قص عليّ قصة إسلامه‏.‏ فقلت ـ ‏:‏ يا رسول الله ، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا‏؟‏
قال‏:‏ ‏(‏بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم‏)‏،
قلت‏:‏ ففيم الاختفاء‏؟‏ والذي بعثك بالحق لنخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، ،
فنظرت إلىّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، فسماني رسول الله ‏(‏الفاروق‏)‏ يومئذ‏.‏





توقيع : magi

رد مع اقتباس
قديم 02-09-2005, 22:46   رقم المشاركة : 22
magi
الوسام الرنيمي البلاتيني
 
الصورة الرمزية magi





magi is on a distinguished road

magi غير متواجد حالياً

 

افتراضي

المحطة الحادية و العشرون




وبعد إسلام هذين البطلين الجليلين ـ حمزة بن عبد المطلب وعمـر بن الخطاب رضي الله عنهما أخذت السحائب تتقشع، وأفاق المشركون عن سكرهم في تنكيلهم بالمسلمين، وغيروا تفكيرهم في معاملتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، واختاروا أسلوب المساومات وتقديم الرغائب والمغريات، ولم يدر هؤلاء المساكين أن كل ما تطلع عليه الشمس لا يساوي جناح بعوضة أمام دين الله والدعوة إليه، فخابوا وفشلوا فيما أرادوا‏.‏



قال (محمد يوسف فجال) هيا بنا إلى دار فاطمة بنت الخطاب لتقص ماحدث بعد إسلام أخيها عمر – ووجدناها و زوجها في مجلس يتعلمان القرآن
فحييناهما و بادرت (رحمة) بسؤال فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها
فأجابت ببشاشة و ترحيب :



كان عتبة بن ربيعة سيدًا في قومه، قال يومًا ـ وهو في نادى قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده‏:‏ يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا‏؟‏ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقالوا‏:‏ بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة،حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال‏:‏ يابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها‏.‏

‏ فقال رسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قل يا أبا الوليد أسمع‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ـ أو كما قال له ـ حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال‏:‏ ‏(‏أقد فرغت يا أبا الوليد‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏فاسمع منى‏)‏
قال‏:‏أفعل،
فقال‏:‏ ‏{‏ بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏1‏:‏ 5‏]‏‏.‏ ثم مضى رسول الله فيها، يقرؤها عليه‏.‏ فلما سمعها منه عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال‏:‏ ‏(‏قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك‏)‏‏.‏

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض‏:‏ نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به‏.‏ فلما جلس إليهم قالوا‏:‏ ما وراءك يا أبا الوليد‏؟‏ قال‏:‏ ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعونى واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا‏:‏ سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال‏:‏ هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم‏.‏




قال ( ظافر ) و هل انتهت المفاوضات على ذلك يا أماه ؟

قالت فاطمة بنت الخطاب : لا وكأن رجاء قريش لم ينقطع بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم عتبة على اقتراحاته؛ لأنه لم يكن صريحًا في الرفض أو القبول، بل تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم آيات لم يفهمها عتبة، ورجع من حيث جاء،
فتشاور رؤساء قريش فيما بينهم وفكروا في كل جوانب القضية، ودرسوا كل المواقف بروية وتريث، ثم اجتمعوا يومًا عند ظهر الكعبة بعد غروب الشمس، وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يدعونه، فجاء مسرعًا يرجو خيرًا،
فلما جلس إليهم قالوا له مثل ما قال عتبة، وعرضوا عليه نفس المطالب التي عرضها عتبة‏.‏ وكأنهم ظنوا أنه لم يثق بجدية هذا العرض حين عرض عتبة وحده، فإذا عرضوا هم أجمعون يثق ويقبل، ولكن قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما بي ما تَقُولُون، ما جِئْتُكُم بما جِئْتُكُم بِه أَطْلُب أَمْوَالكُم ولا الشَّرف فيكم، ولا المُلْكَ عليكم، ولكنّ الله بَعَثَنِى إلَيْكُم رَسُولًا، وَ أَنْزَلَ علىَّ كِتابًا، وأَمَرَنِى أنْ أَكُونَ لَكُم بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُم رِسَالاتِ ربي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فإِنْ تَقْبَلُوا مِنّى ما جِئْتُكُم بِه فَهُوَ حَظُّكُم في الدُنيا والآخرة، وإنْ تَرُدُّوا علىّ أَصْبِر لأمْرِ الله ِ حتّى يَحْكُم الله ُ بَيْنِى وَ بَيْـنَكُم‏)‏‏.‏




قال ( بريزس) و هل انتهوا على ذلك بعد ما سمعوا من الرسول صلى الله عليه و سلم ؟
لا بل زادوا وانتقلوا إلى نقطة أخرى، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يسير عنهم الجبال، ويبسط لهم البلاد، ويفجر فيها الأنهار، ويحيى لهم الموتى ـ ولا سيما قصى بن كلاب ـ فإن صدقوه يؤمنون به‏.‏ فأجاب بنفس ما سبق من الجواب‏.‏

قال (أبو الفهد) ربما يئسوا بعد ذلك وانتهوا – و ضحك الجميع لتعليقه
فقالت فاطمة بنت الخطاب
لا و الله – فما كان منهم إلا أن انتقلوا إلى نقطة ثالثة، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يبعث له ملكًا يصدقه، ويراجعونه فيه، وأن يجعل له جنات وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، فأجابهم بنفس الجواب‏.‏

قال ( أبو رشيد) ربما تقولين لنا الآن يا أماه أنهم لم ينتهوا بعد ؟؟؟؟
قالت فاطمة بنت الخطاب :
صدقت و بالفعل انتقلوا إلى نقطة رابعة، وطلبوا منه العذاب‏:‏ أن يسقط عليهم السماء كسفًا، كما يقول ويتوعد، فقال‏:‏ ‏(‏ذلك إلى الله ، إن شاء فعل‏)‏‏.‏
فقالوا‏:‏ أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك ونطلب منك، حتى يعلمك ما تراجعنا به، وما هو صانع بنا إذا لم نقبل‏.‏

وأخيرًا هددوه أشد التهديد، وقالوا‏:‏أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرف إلى أهله حزينًا أسفا لما فاته ما طمع من قومه


قالت لنا فاطمة بنت الخطاب هيا بنا نأكل معاً أولاً الثريد و المرق و اللحم الحنيذ ثم أقص عليكم بعد ذلك كيف استمر القوم في كيدهم لرسول الله –صلى اللع عليه و سلم



فلبينا الدعوة جميعاً و استمتعنا بالطعام و الصحبة المباركة ثم انتقلنا ثانية إلى ساحة الدار لنستمع إلى سرد الأحداث كما ترويها لنا فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها

قالت فاطمة :
ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم خاطبهم أبو جهل في كبريائه وقال‏:‏ يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبي إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا‏:‏ والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض لما تريد‏.‏

فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له‏:‏ ما لك يا أبا الحكم‏؟‏ قال‏:‏ قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هَامَتِه، ولا مثل قَصَرَتِه ولا أنيابه لفحل قط، فَهَمَّ بى أن يأكلنى‏.‏ و قد قال لنا رسول الله –صلى الله عليه و سلم –
‏(‏ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه‏)


قالت ( سلمى ) أكملي لنا ياأماه – كلنا شوق لنسمع باقي القصة
قالت فاطمة بنت الخطاب :
‏ اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو يطوف بالكعبة ـ الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمى ـ وكانوا ذوى أسنان في قومهم ـ
فقالوا‏:‏ يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ‏}‏ السورة كلها‏.‏

ثم قالت لنا فاطمة بنت الخطاب : لقد تأخرالوقت اليوم فلتأخدوا قسطاً من الراحة و سأقص عليكم البقية صباحاً إن شاء الله




توقيع : magi

رد مع اقتباس
قديم 15-09-2005, 21:24   رقم المشاركة : 23
magi
الوسام الرنيمي البلاتيني
 
الصورة الرمزية magi





magi is on a distinguished road

magi غير متواجد حالياً

 

افتراضي




المحطة الثانية و العشرون





لما أصبح الصباح و تناولنا فطورنا في ساحة دار فاطمة بن الخطاب من الحليب و خبز الشعير و بعض ثمرات من التمر – تمجعنا في حلقة و كلنا شوق لنسمع باقي ما وعدتنا به فاطمة بنت الخطاب عشية أمس
و استرسلت حديثها قائلة :
أظلمت أمام المشركين السبل بعد فشلهم في هذه المفاوضات والمساومات والتنازلات، واحتاروا فيما يفعلون، حتى قام أحد شياطينهم‏:‏ النضر بن الحارث،
فنصحهم قائلًا‏:‏ يا معشر قريش، والله لقد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، و جاءكم بما جاءكم به،
قلتم‏:‏ ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونَفْثَهم وعَقْدَهم،
وقلتم‏:‏ كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتَخَالُجَهم وسمعنا سَجَعَهُم،
وقلتم‏:‏ شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هَزَجَه ورَجَزَه،
وقلتم‏:‏ مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم‏.‏

وكأنهم لما رأوا صموده صلى الله عليه وسلم في وجه كل التحديات ـ قويت شبهتهم في كونه رسولاً حقًا، فقرروا أن يتصلوا باليهود حتى يتأكدوا من أمره صلى الله عليه وسلم، فلما نصحهم النضر بن الحارث بما سبق كلفوه مع آخر أو آخرين ليذهب إلى يهود المدينة، فأتاهم فقال أحبارهم‏:‏ سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فهو نبى مرسل، وإلا فهو متقول؛
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول،ما كان أمرهم‏؟‏ فإن لهم حديثًا عجبًا ،
وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه‏؟
‏ وسلوه عن الروح، ما هي‏؟‏

فلما قدم مكة قال‏:‏ جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبرهم بما قاله اليهود، فسألت قريش رسول صلى الله عليه وسلم عن الأمور الثلاثة، فنزلت بعد أيام سورة الكهف، فيها قصة أولئك الفتية، وهم أصحاب الكهف، وقصة الرجل الطواف، وهو ذو القرنين، ونزل الجواب عن الروح في سورة الإسراء‏.‏ وتبين لقريش أنه صلى الله عليه وسلم على حق وصدق، ولكن أبي الظالمون إلا كفورًا‏.‏

هذه نبذة خفيفة مما واجه به المشركون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مارسوا كل ذلك جنبا إلى جنب، متنقلين من طور إلى طور، ومن دور إلى دور‏.‏ فمن شدة إلى لين، ومن لين إلى شدة، ومن جدال إلى مساومة، ومن مساومة إلى جدال، ومن تهديد إلى ترغيب، ومن ترغيب إلى تهديد، كانوا يثورون ثم يخورون، ويجادلون ثم يجاملون، وينازلون ثم يتنازلون، ويوعدون ثم يرغبون، كأنهم كانوا يتقدمون ويتأخرون، لا يقر لهم قرار، ولا يعجبهم الفرار، وكان الغرض من كل ذلك هو إحباط الدعوة الإسلامية، ولَمَّ شَعْثِ الكفر، ولكنهم بعد بذل كل الجهود واختبار كل الحيل عادوا خائبين، ولم يبق أمامهم إلا السيف، والسيف لا يزيد الفرقة إلا شدة، ولا ينتج إلا عن تناحر يستأصل الشأفة، فاحتاروا ماذا يفعلون‏.‏





قال ( محمد الصافي ) و كيف كان موقف أبي طالب وعشيرته من كل تلك الأحداث ؟

قالت فاطمة : أما أبو طالب فإنه لما واجه مطالبة قريش بتسليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم ليقتلوه، ثم رأي في تحركاتهم وتصرفاتهم ما يؤكد أنهم يريدون قتله وإخفار ذمته ـ مثل ما فعله عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل بن هشام وعمر بن الخطاب ـ جمع بني هاشم وبني المطلب، ودعاهم إلى القيام بحفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابوه إلى ذلك كلهم ـ مسلمهم وكافرهم ـ حَمِيَّةً للجوار العربي، وتعاقدوا وتعاهدوا عليه عند الكعبة‏.‏ إلا ما كان من أخيه أبي لهب، فإنه فارقهم، وكان مع قريش‏.‏

قال ( أبو عبد الله ) و هل ارتعدت قريش بعد ذلك ؟
قالت فاطمة : زادت حيرة المشركين إذ نفدت بهم الحيل، ووجدوا بني هاشم وبني المطلب مصممين على حفظ نبى الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، كائنًا ما كان، فاجتمعوا في خيف بني كنانة من وادى المُحَصَّبِ فتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقـتل،
وكتـبوا بذلك صحيـفـة فيها عهود ومواثيق ‏(‏ألا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل‏)‏‏.‏

تم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب، مؤمنهم وكافرهم ـ إلا أبا لهب ـ وحبسوا في شعب أبي طالب، وذلك ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة‏.‏
واشتد الحصار، وقطعت عنهم الميرة والمادة، فلم يكن المشركون يتركون طعامًا يدخل مكة ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، وكانوا لا يخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى لا يستطيعون شراءها‏.‏




قالت ( أم دنيا ) كم من الوقت استمر ذك الحصار يا خالتي فاطمة ؟

مر عامان أو ثلاثة أعوام والأمر على ذلك، وفي المحرم سنة عشر من النبوة نقضت الصحيفة وفك الحصار؛ وذلك أن قريشًا كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهًا لها‏.‏

وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤى ـ وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفيًا بالليل بالطعام ـ

فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومى ـ وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ـ وقال‏:‏ يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم‏؟‏
فقال‏:‏ ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد‏؟‏ أما والله لو كان معى رجل آخر لقمت في نقضها، قال‏:‏ قد وجدت رجلاً‏.‏
قال‏:‏ فمن هو‏؟‏
قال‏:‏ أنا‏.‏
قال له زهير‏:‏ ابغنا رجلاً ثالثًا‏.‏

فذهب إلى المطعم بن عدى، فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم،
فقال المطعم‏:‏ ويحك، ماذا أصنع‏؟‏ إنما أنا رجل واحد،
قال‏:‏ قد وجدت ثانيًا،
قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال‏:‏ أنا‏.‏
قال‏:‏ ابغنا ثالثًا‏.‏ قال‏:‏ قد فعلت‏.‏
قال‏:‏ من هو‏؟
‏ قال‏:‏ زهير بن أبي أمية، قال‏:‏ ابغنا رابعًا‏.‏

فذهب إلى أبي البخترى بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم،
فقال‏:‏ وهل من أحد يعين على هذا‏؟‏
قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ من هو‏؟‏
قال زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدى، وأنا معك،
قال‏:‏ ابغنا خامسًا‏.‏

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم،
فقال له‏:‏ وهل على هذا الأمر الذي تدعونى إليه من أحد‏؟‏
قال‏:‏ نعم، ثم سمى له القوم، فاجتمعوا عند الحَجُون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة،
وقال زهير‏:‏ أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم‏.‏

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس، فقال‏:‏ يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم‏؟‏ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة‏.‏

قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد‏:‏ كذبت، والله لا تشق‏.‏

فقال زمعة بن الأسود‏:‏ أنت والله أكذب، مارضينا كتابتها حيث كتبت‏.‏

قال أبو البخترى‏:‏ صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به‏.‏

قال المطعم بن عدى‏:‏ صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها‏.‏

وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك‏.‏

فقال أبو جهل‏:‏ هذا أمر قضى بليل، وتُشُووِر فيه بغير هذا المكان‏.‏




كان أبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا‏:‏ قد أنصفت‏.‏

وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ‏(‏باسمك اللهم‏)‏، وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله‏.‏ ثم نقض الصحيفة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقد رأي المشركون آية عظيمة من آيات نبوته، ولكنهم ـ كما أخبر الله عنهم ‏{‏وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏2‏]‏ ـ أعرضوا عن هذه الآية وازدادوا كفرًا إلى كفرهم ‏.‏




و عندما أكملت فاطمة حديثها تهللت وجوهنا فرحة و بشراً فالله يرسل جنوداً لا نعلمها تنصر نبيه و تمكن رسالته في الأرض
و هنا قالت فاطمة بنت الخطاب : غداً أقص عليكم أحداثاً جساماً نزلت برسول الله صلى الله عليه و سلم و بالمؤمنين في مكة و توالت جميعها كنظام بال انفرط عقده و تتابعت الواحدة تلو الأخرى – و لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم و المؤمنين كان معهم ربهم ينصرهم و يثبتهم على الحق .




توقيع : magi

رد مع اقتباس
قديم 26-09-2005, 22:08   رقم المشاركة : 24
magi
الوسام الرنيمي البلاتيني
 
الصورة الرمزية magi





magi is on a distinguished road

magi غير متواجد حالياً

 

افتراضي

المحطة الثالثة و العشرون




لما أصبح الصباح و بعد أن أمضينا وقتاً و نحن نطوف و نصلي بالكعبة – اتجهنا إلى بيت فاطمة بنت الخطاب – رضي الله عنها – لنسمع بالقي الأحداث بعد نقض الوثيقة



التففنا في ساحة البيت و توسطتنا فاطمة بنت الخطاب – و اعتدلت في جلستها كأنها تريد أن ترفع عن نفسها ثقل أحداث تلك الفترة و بدأت حديثها لنا قائلة :

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعب، وجعل يعمل على شاكلته، وقريش وإن كانوا قد تركوا القطيعة، لكنهم لم يزالوا عاملين على شاكلتهم من الضغط على المسلمين والصد عن سبيل الله ، وأما أبو طالب فهو لم يزل يحوط ابن أخيه، لكنه كان قد جاوز الثمانين من سنه، وكانت الآلام والحوادث الضخمة المتوالية منذ سنوات ـ لاسيما حصار الشعب ـ قد وهنت وضعفت مفاصله وكسرت صلبه، فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر معدودات، وإذا هو يلاحقه المرض ويلح به، وحينئذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه، فحاولوا مرة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى الله عليه وسلم بين يديه، ويعطوا بعض ما لم يرضوا إعطاءه قبل ذلك‏.‏ فقاموا بوفادة هي آخر وفادتهم إلى أبي طالب‏.‏




قال ( أبو الوفى ) هل لنا أن نسمع منك يا أماه تفاصيل تلك الوفادة ؟
قالت فاطمة :
مشوا إلى أبي طالب فكلموه، وهم أشراف قومه؛ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم ـ وهم خمسة وعشرون تقريبًا ـ فقالوا‏:‏ يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا، وخذ لنا منه؛ ليكف عنا ونكف عنه، وليدعـنا وديننا وندعه ودينه،
فبعث أبو طالب، فجاءه فقال‏:‏ يابن أخي، هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك ليعطوك، وليأخذوا منك، ثم أخبـره بالذي قالوا له وعرضوا عليه من عدم تعرض كل فريق للآخر‏.‏
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها، ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم‏)‏
فلما قال هذه المقالة توقفوا وتحيروا ولم يعرفوا كيف يرفضون هذه الكلمة الواحدة النافعة إلى هذه الغاية والحد‏.‏
ثم قال أبو جهل‏:‏ ما هي‏؟‏ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها،
قال‏:‏ تقولون‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من دونه‏)‏‏.‏
فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا‏:‏ أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا‏؟‏ إن أمرك لعجب‏.‏

ثم قال بعضهم لبعض‏:‏ إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا‏.‏




قالت ( أم دنيا ) : و هل إنتهت محاولاتهم عند هذا الحد ؟
ردت فاطمة و قد إعترتها لمسة حزن :
ألح المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن وافته المنية، وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر‏.‏ ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة والمنع، فقد كان الحصن الذي احتمت به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء، ولكنه بقى على ملة الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح‏.‏

و توالت الأحزان و كأنه عقد قد انفرط - فبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره‏.‏
إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر،وتواسيه بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏آمنت بى حين كفر بى الناس، وصدقتنى حين كذبني الناس، وأشركتنى في مالها حين حرمنى الناس، ورزقنى الله ولدها وحرم ولد غيرها‏)‏




قال ( ذو الجناحين) و قد اغرورقت عيناه دموعاً : يا حبيبي يا رسول الله – و كيف كان وقع ذلك عليه صلى الله عليه و سلم ؟
قالت فاطمة بنت الخطاب : وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه‏.‏ فإنهم تجرأوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غمًا على غم، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجـاء أن يستجيبوا لدعوتـه، أو يؤووه وينصـروه على قومــه، فلم يـر مـن يؤوى ولم يـر ناصرًا، بل آذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومـه‏.‏

وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم اشتدت على أصحابه حتى التجأ أبي إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتى بلغ بَرْك الغِمَاد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدُّغُنَّة في جواره‏.‏




قالت ( ماجي ) : لقد عرفت الآن لم سمي عام الحزن و عرف به في السيرة و التاريخ – و لكن قصي علينا يا أماه كيف انقشعت تلك الغمة ؟
قالت فاطمة : في شوال من هذه السنة ـ سنة 10 من النبوة ـ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة، كانت ممن أسلم قديمًا وهاجرت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكان زوجها السكران بن عمرو، وكان قد أسلم وهاجر معها، فمات بأرض الحبشة، فلما حلت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، وكانت أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة

قال ( محمد يوسف فجال ) و مع كل ذلك كان الصحابة يرون أن الاضطهادات التي تتوالى عليهم من كل جانب، والمصائب التي تحيط بهم من كل الأرجاء ليست إلا‏:‏ ‏(‏سحابة صيف عن قليل تقشع‏)‏‏.‏
أليس كذلك يا أماه ؟
قالت فاطمة : إذهبوا إلى زيد بن حارثة مولى رسول الله ليقص عليكم كيف بدأت الدعوة خارج مكة






توقيع : magi

رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


All times are GMT +4. The time now is 20:23.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
كل الحقوق محفوظه لشبكة رنيم 2008