نحن الآن في مدينة بصرى بالقرب من دمشق فقد وصل القطار أرض الشام واستقبلنا ميسرة غلام خديجة.. وجلسنا في ضيافته.
وكنا في لهفة لمعرفة أخبار محمد.
قال أسير الوفا: حدثنا يا ميسرة،، ما هى قصتك ومحمداً؟
قال ميسرة: ما صحبت أحداً مثل محمد،، لم أر مثل عذب حديثه، ولا طيب معاملته وهو شاب في مقتبل العمر. وكان يحدثني وأحدثه في الطريق..
فسألته عن سبب خروجه للتجارة في مال خديجة وعلمت منه أنه لما بلغ عمره خمساً وعشرين سنة ناداه عمه أبو طالب وقال له: أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وهذه قافلة قومك وقد حضر وقت خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في تجارتها فلو جئتها فعرضت عليها نفسك لأسرعت إليك.
قال دكتور سارية: وماذا قال محمد:
قال ميسرة: لم يقل شيئاً، ولم يكن في وقت من الأوقات طامعاً في الغنى والمال، إنما كان سعيه لغيره ولو ترك الأمر لنفسه لآثر أن يعيش في هدوء وسلام قانعاً بحالته ولما فكر في رحلة كهذه، خاصة بعد رحلته الماضية إلى الشام وما حدث فيها. ولكن لما عرض عليه عمه السفر شعرت نفسه الكريمة بضرورة تفريج كربة عمه فأجاب طلبه مسروراً.. ولكن خديجة أرسلت إليه قبل أن يذهب هو إليها.
قال بشار البيانوني: وكيف علمت خديجة بما دار بينه وبين عمه؟
قال ميسرة: كنت في بيت عمه حين حدثت تلك المحاورة بينهما، فأسرعت إلى خديجة وبلغتها الخبر. وفي الحال أرسلتني خديجة إلى محمد تعرض عليه أن يتاجر في مالها.
وقالت له: أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك. فوافق محمد... إن خديجة ومحمد إنسانان رائعان..
وعندما خرجنا من مكة جعل عمومته يوصون به أهل القافلة حتى وصلنا الشام. ولما وصلنا نزل محمد في ظل شجرة فرآنا نسطور الراهب فجاء وسألني وكان يعرفني فأنا خبير بالتجارة مع أهل الشام.
قال نسطور: من هذا الذي جاء معكم يا ميسرة؟ قال بريزس: وبماذا أجبته يا ميسره؟ قال ميسرة: قلت له هذا رجل من أهل الحرم ولكن لماذا تسأل يا نسطور؟ قال نسطور: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي.
ثم سألني: أفي عينيه حمرة؟ قلت: نعم لا تفارقه. قال: هو نبي وهو آخر الأنبياء.
ثم قال ميسرة: أقول لكم سراً رأيته عن محمد؟
قال فراس: نعم فأنا أحب أن أسمع ذلك
قال ميسرة: كنا ونحن في الطريق إذا كانت الهاجرة واشتد الحر أرى ملكين يظللانه من الشمس. فسألت محمداً عن ذلك فابتسم ولم يرد على.
أقول لكم: إن هذا الرجل نسمة مباركة. لقد بعنا تجارتنا وربحنا ضعف ما كنا نربح في كل عام. ولأخبرن الطاهرة بذلك فهى امرأة رائعة.. وليتها تتزوج محمداً..
قالت رحمة: ما هذا يا ميسرة؟ بينما نسمعك تتكلم عن خديجة إذا بك تذكر امرأة أخرى من هى هذه الطاهرة التي ذكرتها؟
ضحك ميسرة ثم قال: اعذريني يا رحمة، فالطاهرة لقب لخديجة وجميع أهل مكة يعرف عنها ذلك اللقب. وهى امرأة لا تحب اللهو ولا ما تفعله بقية النساء، ومن أجل ذلك أطلقوا عليها اسم الطاهرة.. ومضى ميسرة يسترسل في الحديث.. وكان ميسرة غلاماً لطيفاً.
قال: وبهذه المناسبة فقد سألت محمداً هل يحب الغناء والسمر واللهو وما يكون في الأفراح؟ فقال:
(ما هممت بشئ من ذلك غير مرتين .. كل ذلك يحول الله بينى وبين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بسوء بعد ذلك قط)
قال ميسرة: قلت له وكيف حدث ذلك يا محمد؟ فقال:
(قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معى بأعلى مكة لو أبصرت لى غنمى حتى أدخل مكة فاسمر بها كما يسمر الشباب فقال أفعل فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا قالوا فلان بن فلان تزوج بفلانة بنت فلان فجلست أنظر اليهم فضرب الله على أذنى فنمت فما أيقظنى الا مس الشمس..)
قال ميسرة: فضحكت ضحكاً شديداً ثم سألته:
وماذا صنعت حين استيقظت من النوم؟ قال محمد: (جئت صاحبى فقال: ما فعلت؟ قلت: ما صنعت شيئا ثم أخبرته الخبر..)
قالت شهد: وهل كرر المحاولة بعد ذلك؟
قال ميسرة: نعم فقد قال لي محمد:
(ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال: افعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت حين دخلت مكة تلك الليلة فجلست انظر فضرب الله على أذنى فوالله ما أيقظنى الا مس الشمس فرجعت إلى صاحبى فاخبرته الخبر ثم ما هممت بعدها بسوء) .
قال ميسرة: أستودعكم الله فهاهى القافلة تتأهب للعودة إلى مكة. وسوف ألقاكم هناك بعد عودتنا.
[CENTER]نحن الآن في مكة وقد رجع بنا القطار من الشام..[/CENTER]
وكانت القافلة قد سبقتنا إلى مكة.
ولقينا ميسرة باسماً كعادته:
قالت عناق الروح: حدثنا عن خديجة يا ميسرة فأنت تذكرها دائماً بإكبار واحترام شديدين. وحدثنا أيضاً عن أخبار رحلة العودة من الشام.
قال ميسرة: لقد بلغ عمر خديجة الآن أربعين سنة وهى من أشراف قريش فهى خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى وهى كما تعلمون امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه.
ولما رجعنا إلى مكة أخبرتها بأخبار محمد وأخبار نسطور الراهب وحكاية الملكين اللذين كانا يظللان محمداً من الشمس. ولما باعت خديجة ما جاء به محمد ورأت أنها قد ربحت الضعف أو أكثر ضاعفت لمحمد ما اتفقا عليه من مال.
وتعلمون أن خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة فلما أخبرتها بما أخبرتكم به بعثت إلى محمد فقالت له: (يا ابن عم إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك).
قال ابن جعفر الطيار: وهل كلمت محمداً مباشرة فخطبت نفسها إليه:
قال ميسرة: لا يا ابن جعفر، لقد أرسلت إليه نفيسة سراً.
قال أبو الفهد وماذا قالت نفيسة وبماذا أجابها محمد وهل قبل؟
قال ميسرة: ألم أقل لكم ونحن في الشام إن محمداً وخديجة إنسانان رائعان؟ يا نفيسة.. يا نفيسة تعالي وحدثي ضيوفنا بقصة خطبة خديجة لمحمد.
جاءت نفيسة فسلمت علينا ثم قالت:
(أرسلتني خديجة إلى محمد سراً أعرض عليه نكاحها فذهبت إليه وقلت له: ما يمنعك أن تتزوج يا محمد؟
فقال: ما في يدي شيء فقلت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة... قال: ومن؟ قلت: خديجة ... فوافق فطرت طيراناً إلى خديجة وأخبرتها الخبر..
قال ظافر: وماذا حدث يا ميسرة؟ وماذا فعل محمد؟ نحن متلهفون لمعرفة التفاصيل.
قال ميسرة: ذهب محمد إلى أعمامه وأخبرهم فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه.
قال ميماس: وهل تزوجا؟ قال ميسرة فرحاً مسروراً: نعم تزوجها
قال ميسرة: لقد وهبت له غلامها زيد بن حارثة هدية منها بعد أن كان زيد في ملكها.
قال محمد يوسف الفجال: إذن وجب علينا أن نزور خديجة ونبارك لها هذا الزواج الطيب وهذا الزوج الفريد ونبارك للغلام زيد بن حارثة أنه أصبح لمحمد.
[center] نحن الآن في بيت خديجة. وهى جالسة مع صديقتها نفيسة بنت منية التي خطبتها لمحمد. وقد خرج محمد لبعض شأنه وبصحبته مولاه زيد بن حارثة.
جلست نفيسة تقص علينا خبر زواج محمد من خديجة.. قالت:
حدث الزواج بعد رجوع محمد من الشام بشهرين، وقد دفع صداقاً لخديجة بلغ عشرين بكرة "ناقة".. وخديجة هى أول امرأة تزوجها محمد ولم يتزوج قبلها..
[/center] [center]
وكانت خديجة تتدخل بين الحين والآخر لتضيف معلومة هنا ومعلومة هناك. وسألتها ( زمردة ) فقالت: صفي لنا أحوال محمد يا خديجة.
فقالت خديجة: (إن محمداً صائب الفكر سديد النظر حسن الفطنة.. وهو كثير الصمت قليل الكلام، طويل التأمل، يدمن الفكرة ويستكنه الحق.. ويطالع بعقله وفطرته صحائف الحياة وشؤون الناس..
وهو لا يشرب الخمر ولا يأكل مما يذبح على الأنصاب، ولا يحضر عيداً لللات والعزى ولا غيرها، ولا يشارك في احتفالاتها، بل إنه ينفر منها نفوراً شديداً ويبغضها فليس شيء أبغض إليه منها، ولا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى..
وهو عذب الخلال فاضل الأخلاق، كريم الشمائل، عظيم المروءة حسن الخلق، عزيز الجوار، عظيم الحلم، صادق الحديث، لين العريكة، عفيف النفس، كثير الخير، متقن للعمل، وفي العهد، أمين الأمانة حتى سماه الناس "الأمين".
إن محمداً يحمل الكل ويكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق.
وبينما نحن جلوس نستمع لصفات محمد من خديجة إذا بصراخ يعلو وأصوات قادمة من ناحية الكعبة.. وهرعنا نحو الكعبة واستقبلنا زيد بن حارثة وهو يعدو نحونا.
قال ( وائل الخطيب ): ما الذي حدث يا زيد؟
قال زيد: لصوص سرقوا كنوز الكعبة. وعلت الدهشة وجوهنا جميعاً..
قال ( سارية ): وهل في الكعبة كنوز؟
قال زيد: (كانت الكعبة ممتلئة بمعادن وسبائك وتماثيل ذهبية، وكان يطلق عليها كنز الكعبة) لكن اللصوص انتهزوا فرصة تصدع جدران الكعبة فدخلوا وسرقوا الكنز.
قال: ( محمد سامي ) وما الذي صدع جدران الكعبة يا زيد؟
قال زيد: تعلمون أن الكعبة كانت رضماً من الحجارة غير مبنية وطولها يتجاوز قامة الإنسان بقليل وليس لها سقف.. وفوق ذلك فقد تعرضت للتصدع بمرور الزمن. ثم جاء السيل العارم الذي شهدته مكة قبل أيام والذي انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة على الانهيار، وانتهز اللصوص الفرصة وسرقوا الكنز.
ولما رجعنا إلى بيت خديجة قالت لنا: إن محمداً قد رجع بعد ذهابكم وأخبرني أن قريشاً تعتزم تجديد بناء الكعبة حرصاً على مكانتها، وأنه عازم على إعادة بنائها معهم وهو الآن عند صحن الكعبة. وقد أخبرني أيضاً أنهم وافقوا على اقتراحه عليهم أن لا يدخلوا في بنائها إلا طيباً فلا يدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع رباً ولا مظلمة أحد من الناس..
وبينما نحن عند خديجة إذا بالعباس بن عبد المطلب يدخل علينا مسلماً ويبادر ( بريزس ) فيسأله: ما هى أخبار الكعبة يا عباس؟
فيقول العباس: ذهبت قريش لتهدم الكعبة وتعيد بناءها.. وكانت قريش كلها خائفة .. فما زالت حادثة الطير الأبابيل التي أهلكت جيش أبرهة قبل خمس وثلاثين سنة ماثلة للأعين.. ولذلك فقد كانت قريش خائفة جداً..
ولم يتقدم أحد ليبدأ بالهدم.. ولما وقفوا طويلاً تقدم الوليد بن المغيرة المخزومي فأزال حجراً.. ولم يحدث له شيء.. ثم حجراً ثانياً.. ولما رأت قريش أنه لم يصبه شيء تبعته قريش كلها فهدموا الكعبة وأزالوا أحجارها حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم..
ولما وصلوا إلى قواعد إبراهيم وأرادوا الاستمرار في الهدم لم يستطيعوا إزالة حجر واحد من مكانه.. فتركوا القواعد كما هى.
ثم وضعوا خطة للبناء وعينوا (باقوم) كبير المهندسين ليتولى البناء.. و(باقوم) هو بنَّاء رومي، فقام بتجزئة الكعبة إلى أجزاء وخصص جزءاً معيناً لكل قبيلة، فقامت كل قبيلة بجمع الحجارة لبناء الجزء المخصص لها...
واستمر العباس في حكايته فقال:
ذهبنا أنا ومحمد ننقل الحجارة لبناء الكعبة، وخفت عليه من أثر الحجارة على كتفه فقد كان يحمل حجارة كبيرة لا يقدر على حملها رجلان أو ثلاثة حتى أثرت على كتفه، فأشفقت عليه وقلت: يا ابن أخي اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة.. وكنت أعلم أنه إن فعل ذلك فستبين عورته ولكنني كنت أخشى على رقبته أن تؤذيها الحجارة.... فلما فعل ذلك أغمى عليه وخرَّ إلى الأرض ووقع وطمحت عيناه إلى السماء ينظر إليها... ثم أفاق فقال: إزاري، إزاري، فشد عليه إزاره..
ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفت القبائل فيمن يمتاز بشرف وضع الحجر الأسود في مكانه..
واستمر النزاع خمس ليال واشتد حتى كاد أن يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم.
[/center]
وعرض أبو أمية بن المغيرة المخزومي على رؤساء القبائل أن يحكموا بينهم أول شخص يدخل من باب الحرم فرضوا ووافقوا على ذلك.. فدخل عليهم محمد فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد..
فلما وصل محمد وأخبروه الخبر طلب رداء، فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه..
وقامت قريش بعمل تحصينات في الكعبة حتى لا يدخلها إلا من أرادوا فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا ً من ستة أذرع وهى التي تسمى الحجر أو الحطيم، ورفعوا بابها من الأرض.. ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعاً سقفوه على ستة أعمدة.
ذهبنا لرؤية الكعبة وبدأ المهندس أبو الفهد يصفها لنا فقال: انظروا إنها ذات شكل مربع تقريباً ويبلغ ارتفاعه 15 متراً وطول ضلعه الذي في الحجر الأسود والمقابل له عشرة أمتار و10 سنتمترات والحجر موضوع على ارتفاع متر ونصف من أرضية المطاف. والضلع الذي في الباب والمقابل له 12 متر وبابها على ارتفاع مترين عن الأرض، ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها ربع متر ومتوسط عرضها ثلث متر وتسمى بالشاذروان وهى من أصل البيت لكن قريشاً تركتها فلم تدخلها في البناء.
قال العباس:
في المرة القادمة سوف نخرج معاً لأريكم معالم مكة، وسوف نذهب معاً إلى غار حراء حتى تروا المكان الذي يحبه محمد ويذهب إليه كثيراً..
عاود بنا قطار السيرة انطلاقته فاتجه إلى الجزء الشمالي من مكة وتوقف عند مدخل جبل النور على بعد خمسة كيلومترات من مكة.. ونزلنا عند أسفل الجبل ونظرنا إلى الأعلى حيث يوجد غار حراء. وقررنا الصعود إلى الغار حيث يأتي محمد فيقيم في هذا الغار ومعه أهله قريبا منه ، يقيم شهر رمضان يقضي وقته في التفكر وفي مشاهدة الكون...
كان الصعود إلى الغار غير سهل ولا يسير.. ولكنه كان ممتعاً.. وبعد أكثر من عشرين دقيقة من الصعود المتواصل وصلنا إلى الغار. كان غاراً صغيراً.. طوله متران واثنان وثلاثون سنتمتراً وعرضه مائة سنتمتر... لا يكاد يتسع إلا لشخص واحد فقط.
قال العباس: إن محمداً يأخذ السويق و الماء و يأتي إلى هذا الغار معتزلاً قريش وأهل مكة جميعاً وكان يتوق لهذه العزلة وينقطع إليها. وكان يفعل هذا كل سنة..
ولكن في هذه السنة حدث له أمر عجيب جداً.
قالت ( رحمة) وما هو يا عباس؟
قال العباس: إن محمداً يرى الرؤيا فتأتي وتتحقق مثل فلق الصبح.
لقد تكامل له اليوم أربعون سنة قمرية وستة أشهر و12 يوماً. وكان في هذا الغار قبل قدومكم ولكنه انطلق إلى خديجة مسرعاً..
ونحن بني العباس نقرأ تعابير الوجوه.. ولقد قرأت على وجه محمد شيئاً لم أكن أعهده فيه من قبل قط. وبالفعل تبعته حتى وصل إلى خديجة خائفاً يرجف فؤاده فقال لها: زملوني زملوني.. فزملته خديجة حتى ذهب عنه الروع.. ثم سألته ما الذي حدث يا محمد؟
فقال لها: بينما أنا في غار حراء إذ سمعت صوتاً فرفعت رأسي فإذا بملك يسد أقطار السماء بجناحيه فقال لي : - يا محمد إقرأ فقلت: ما أنا بقاريء فأخذني فغطني (أى ضمني إليه) حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: - إقرا فقلت: ما أنا بقاريء -فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال:(( اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ و ربك الأكرم ))
ولقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا ، و الله ما يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، و تحمل الكل ، و تكسب المعدوم و تقري الضيف ، و تعين على نوائب الحق.،
قال العباس:
وانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي ابن عمها –
و كان امرءاً تنصر في الجاهلية ، و كان شيخاً كبيراً قد عمي – فقالت له خديجة : يا ابن العم ! اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره خبر ما رأى فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزله الله على موسى ، يا ليتني فيها جذعاً ، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله : أو مخرجي هم ؟ قال: نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، و إن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
قال العباس: وسألت محمداً: مالذي حدث لك يا ابن أخي؟ فقال: لم يكن من خلق الله أبغض عليّ من شاعر أو مجنون ، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، فلما حدث هذا الذي رأيته ( قلت: إن الأبعد – يعني نفسه – شاعر أو مجنون إلا تحدث بها عني قريش أبداً )
لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها ، فلأستريحن،
فخرجت أريد ذلك ، حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول : يا محمد ! أنت رسول الله وأنا جبريل . فرفعت رأسي للسماء ، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد ! أنت رسول الله و أنا جبريل .
فوقفت أنظر إليه، وشغلني ذلك عما أردت، فما أتقدم و لا أتأخر، و جعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي، و لا أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، حتى بلغوا مكة و رجعوا إليها و أنا واقف في مقامي ، ثم انصرف عني و انصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى مضيفاً إليها ( ملتصقاً بها مائلاً إليها ) فقالت : يا أبا القاسم ! أين كنت؟ فوالله لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة و رجعوا إلى ، ثم حدثتها بالذي رأيت ، فقالت : أبشر يا ابن العم ، واثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ،
ثم قامت فانطلقت إلى ورقة و أخبرته. فقال : قدوس قدوس ، و الذي نفس ورقة بيده لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، و إنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له : فليثبت ، فرجعت خديجة و أخبرتني بقول ورقة
فلما قضيت جواري و انصرف إلى مكة لقيني ورقة، و قال بعد أن سمع مني خبري : و الذي نفسي بيده ، إنك لنبي هذه الأمة ، و لقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ..
قال العباس: لقد رأيتم غار حراء وسمعتم ما حدث لمحمد فيه، وإني لأظن أنه سيكون لهذا الغار وهذا اليوم شأن عظيم.. فهيا بنا نعود إلى مكة وأنتم ستكونون في ضيافتي فيها. وسوف أقص عليكم من أخبار محمد إن شئتم. قال ( بريزس) نعم يا عباس فإننا نحب أن نسمع خبر محمد وخبر الوحى.
انقطع الوحى فترة بعد تلك الأحداث في غار حراء ، ولم ير ابن أخي الوحى فبقى كئيباً محزوناً ، تعتريه الحيرة والدهشة و بلغ به الحزن والحيرة مبلغاً أنه غدا مراراً كى يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقاً ، فيسكن لذلك جأشه ، و تقر نفسه ، فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
وكأنما كان انقطاع الوحي ليذهب ما كان وجده من الروع ، و ليحصل له التشوق إلى العود، فلما وجدت نفسه ذلك وتهيأت لاستقبال الوحى جاءه جبريل للمرة الثانية
قال ابن أخي: بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعداً على كرسي بين السماء و الأرض ، فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي فقلت : زملوني زملوني ، فزملوني ، فأنزل الله تعالى : (( يا أيها المدثر )) ، ثم حمي الوحي و تتابع . قال العباس: اذهبوا إلى خديجة بنت خويلد فإن عندها الخبر اليقين.
عودة إلى بيت خديجة
وانطلقنا إلى بيت خديجة وجلست تحدثنا كيف أن محمداً عرض عليها الإسلام فأسلمت معه لله رب العالمين وقالت: يا أبنائي أنا أول من آمن بمحمد ولا فخر ، ثم مولاه زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي ثم ابن عمه علي بن أبي طالب وكان صبياً يعيش في كفالة زوجي محمد – ثم صديقه الحميم شيبة الحمد عتيق. أسلم هؤلاء في أول يوم من أيام الدعوة .
قال ( أبو الفهد ) ومن شيبة الحمد هذا يا أماه؟ قالت خديجة: (عجباً لك! ألا تعرف أبابكر الصديق؟ إنه شيبة الحمد الملقب بعتيق.) قال عنه زوجي محمد: ما عرضت الدعوة على أحد إلا كان له فيها تردد وتلجلج إلا أبابكر فما تردد وما تلجلج وما أخبرته بشيء إلا قال: صدقت فأسميته الصديق.
قالت خديجة: ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام ، و كان رجلاً مُألفاً محبباً سهلاً ، ذا خلق و معروف ، و كان رجال قومه يأتونه و يألفونه لعلمه و تجارته ، و حسن مجالسته ، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه و يجلس إليه ، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان الأموي ، و الزبير بن العوام الأسدي ، و عبد الرحمن بن عوف ، و سعد بن أبي وقاص الزهريان ، و طلحة بن عبيد الله التيمي . فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول و طليعة الإسلام .
ومن أوائل المسلمين بلال بن رباح الحبشي (اشتراه أبوبكر ثم أعتقه) ، ثم تلاهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني حارث بن فهر ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، و الأرقم بن أبي الأرقم المخزوميان ، و عثمان بن مظعون و أخواه قدامة و عبد الله، و عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ، و امرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب ، وخباب بن الأرت وعبد الله بن مسعود الهذلي و خلق سواهم ، و أولئك هم السابقون الأولون ، و هم من جميع بطون قريش و هم أكثر من أربعين نفراً. أسلموا سراً . إن محمد يجتمع بهم كل يوم ويرشدهم إلى الدين متخفياً ، في بيت الأرقم بن أبي الأرقم ليتعلموا الإسلام.
و تتابع الوحي وحمي نزوله بعد نزول أوائل المدثر ثم دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال و النساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة و تحدث به أهلها.
قالت ( أم محمد) وكيف كان المسلمون الأوائل يعبدون الله يا أماه؟
قالت خديجة: فرض الله في أوائل أمر الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة و ركعتين بالعشي و كان المسلمون إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، و قد رأى أبو طالب النبي و علياً يصليان مرة ، فكلمهما في ذلك ، و لما عرف جلية الأمر أمرهم بالثبات ولكنه لم يؤمن بدعوة محمد.
ورغم استخفاء المسلمين بصلاتهم وعبادتهم لكن أنباءها بلغت قريشاً ، بيد أنها لم تكترث بها ولم تعرها اهتماماً ، ولعلها حسبت محمداً أحد أولئك الديانين ، الذين يتكلمون في الألوهية و حقوقها ، كما صنع أمية بن أبي الصلت ، وقس بن ساعدة الإيادي، و عمرو بن نفيل و أشباههم ، إلا أنها توجست خيفة من ذيوع خبره و امتداد أثره ، و أخذت ترقب على الأيام مصيره و دعوته.