مرحباً بكم على متن قطارنا عبر الزمن في رحاب السيرة العطرة. وليأخذ كل واحد منكم مكانه في القطار ففيه العديد والعديد من العربات ولا تنسوا أن تودعوا أهلكم وتقولوا دعاء السفر.
المحطة الثالثة
نحن الآن في صبيحة يوم الإثنين الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571م بين شعاب مكة، وهاهم الباعة المتجولون يحيطون بالقطار الذي يوشك على المغادرة وكل ينادي على بضاعته.
وها هى أصواتهم تختلط بأصوات الطائفين حول الكعبة في مكة..
وقد شهدتم في هذا الصباح ميلاد الطفل اليتيم الذي ولدته آمنة بنت وهب
وهاهو جده عبد المطلب مستبشراً فرحاً بحفيده يحمله ويذهب به إلى الكعبة ويدعو له.
ويقترب منا أحد باعة الصحف المتجولين حول القطار لنقرأ في الصفحة الأولى عناوين أهم الأخبار:
زلزال مدمر يضرب عاصمة الفرس وسقوط أربعة عشر شرفة من إيوان كسرى،
والنار (المقدسة) تنطفيء بعد أن استمرت متقدة باستمرار ما يزيد على خمسمائة سنة.
الزلزال يهدم جميع الكنائس القائمة حول بحيرة ساوة
وانخفاض مستوى الماء في البحيرة إلى أقل من الربع.
ها هى ثويبة مولاة أبي لهب تترك رضيعيها مسروح وحمزة بن عبد المطلب
وتلحق بعبد المطلب لتأخذ منه الوليد الجديد لترضعه لأن أوان رضاعه قد حان..
وتقول لجده: ماذا ستسميه يا عبد المطلب.
ها هو القطار ينطلق وقد كان آخر ما سمعنا من الحوار رد عبد المطلب على ثويبة:
اخترت له اسم محمد ليكون محموداً عند الله في السماء ومحمداً في الأرض عند خلقه ولأولمن له وليمة أدعو قريشاً كلها لتشهد الإسم وتأكل ولأختننه يوم السابع كما هى سنة جده إسماعيل وإبراهيم
قطارنا ينطلق بعيداً في اتجاه البوادي الخضراء والربوع الرملية المتوهجة... ها هم رعاة الغنم ينطلقون بها نحو المراعي.. وتختلط أصوات الثغاء مع أصوات حنين الإبل وبغام الطلا والظباء والقطار يتيه بنا نحو بوادي بني سعد...
وبينما القطار ينهب الأرض نحو ديار بني سعد بن بكر نلتفت حولنا لنتعرف على المسافرين معنا فنرى ركاباً يتأهبون للنزول في محطة بني سعد نتقدم منهم لنتعرف عليهم فيقدمون لنا أنفسهم
تتقدم منا امرأة وزوجها ويتحدث الزوج فيقول:
مرحباً بكم في ديار بني سعد. اسمي الحارث بن عبد العزى المكنى بأبي كبشة. وهذه زوجتي حليمة بنت أبي ذؤيب. وهى من نفس القبيلة.
زوجتي تعمل حاضنة في الخارج فهى متخصصة في إرضاع أطفال قريش. وقد أرضعت أولادي: عبد الله ، وأنيسة ، وحذافة أو جذامة الملقبة بالشيماء. والشيماء الآن كبيرة وقد تركناها في مكة. وبالإضافة إلى أولادي فقد أرضعت أباسفيان بن الحارث بن عبد المطلب وحمزة بن عبد المطلب.
ولكنها أرضعت طفلاً آخر هو من أعجب ما رأينا من الأطفال.
أتحبون سماع قصته: هيا يا حليمة قصي علينا قصة ذلك الطفل اليتيم الأعجوبة.
واعتدلت حليمة في جلستها وأصلحت ثوبها وتهللت أسارير وجهها وهى تروي لنا قصة الصبي اليتيم.. فيبدو أنها تحب أن تحكي عن هذا الطفل.. وذهلنا ونحن نستمع إلى حكايتها.. ولم نلق بالاً لجمال الطبيعة من حولنا ولا للطافة النسيم الذي يدخل علينا من نافذة القطار في ذلك الصباح الجميل فقد كانت كلمات حليمة من أجمل ما سمعنا من كلمات وكانت قصتها تدعو للدهشة والعجب. ولولا أنها قصة حقيقية وأن حليمة لا تكذب لظننا أن هذه القصة من نسج الأساطير.
قالت حليمة:
خرجت من بلدي أبحث عن طفل أحضنه ومعي زوجي وابني الرضيع إلى مكة ومعي مجموعة من الزميلات الحاضنات من بني سعد. وكنت أركب حماراً هزيلاً ولم يكن لدينا طعام إلا شاة نحلب لبنها، ولكن ضرعها ما جاد علينا بقطرة لبن طوال الرحلة إلى مكة، وكذلك كان ثديي فارغاً من اللبن، والصغير الرضيع الذي معي لا ينام ولا يترك أحداً ينام من شدة الجوع وبكاؤه لا ينقطع. وكان حماري الهزيل لا يستطيع المشي حتى اشتكى جميع رفقائي في الرحلة أنني السبب في تأخيرهم.
ولما وصلنا مكة عرض هذا اليتيم على زميلاتي فأبين أن يأخذنه ليرضعنه لأنه يتيم وليس له أب ليدفع مصاريف الحضانة... وذهبت زميلاتي جميعهن وأخذن أطفالاً للحضانة ولم يبق أحد غيري بدون رضيع فكنت مكسوفة الخاطر. ولكنني أبيت أن أرجع دون رضيع أحضنه فصممت على أخذ اليتيم لأنني لم أجد غيره. وشاورت زوجي فوافق على الفور..
ولما أخذت اليتيم أحسست على الفور بتغيير في صدري، ونظرت فإذا ثدياي ممتلئتان لبناً، ورضع اليتيم ورضع معه صغيري حتى شبعا، ثم ناما ، ولاحظت أن اليتيم لا يرضع إلا من الثدي الذي أعطيته له أولاً ولا يقبل أن يرضع من الثدي الآخر الذي يرضع منه ابني الرضيع!!
وقام زوجي ليسقي الشاة فاكتشف أن ضرعها يكاد يلامس الأرض وأنه مليء باللبن فحلبها وشربنا حتى روينا من ذلك اللبن..
ولما ركبت الحمار في رحلة العودة إذا به ينطلق فيسبق جميع الحمير،
فتنادي علينا زميلاتنا: (يا حليمة انتظرينا قليلاً وخففي السرعة حتى نلحق بك). ولما كنت أنتظرهن ليلحقن بي كن يقلن: (يا حليمة هل أنت متأكدة أن هذا الحمار هو نفس الحمار الذي جئت به من بني سعد إلى مكة؟؟ ألم يقم أحد بتبديله في مكة؟).
(والله إن لهذا الحمار لشأناً عجيباً).
كان زوجي يردد طوال رحلة العودة إلى بني سعد: (تعلمين يا حليمة.. لقد أخذت نسمة مباركة). وكنت فرحة جداً باليتيم وأقول لزوجي: (والله إني لأرجو ذلك)..
وأعجب مافي الأمر أننا لما وصلنا ديار بني سعد حدث أمر عجيب فبلادنا جدباء لا نبات فيها ولا عشب وكانت غنمي تروح لترعى ثم تعود شبعانة ممتلئة لبناً.. وكانت أغنام زميلاتي تروح ثم تعود جياعاً وليس في ضروعها لبن. وكان الناس يقولون للرعاة: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، يقصدونني أنا..
ولكن القصة الأعجب هى ما لاحظته على هذا اليتيم المسكين.. فخفت عليه خوفاً شديداً فأعدته إلى أمه..
ها هو القطار قد بدأ يخفف من سرعته تمهيداً للتوقف في ديار بني سعد بن بكر.. ولكنني أعدكم بأن أحكي لكم ماذا حدث لليتيم ولماذا خفنا عليه فأعدناه إلى أمه.. تفضلوا معي إلى خيمتي..
انتظروا حليمة في المحطة التالية بعد أن ننزل في البادية ضيوفاً عليها في ديار بني سعد بن بكر
لتحكي لنا لماذا خافت على اليتيم