كتب د. عصام عبده :-
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين وبعد، قال تعالي: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) واخرج البخاري ومسلم عن ابي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه ان النبي صلي الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضر الذي بين جمادي وشعبان).
فالله يصطفي من خلقه ما يشاء فاصطفي من الملائكة جبريل عليه السلام ومن الرسل محمدا صلي الله عليه وسلم ومن بقاع الأرض المساجد من الأيام يوم عرفة ويوم الجمعة ومن الليالي ليلة القدر ومن الشهور الأشهر الحرم ورمضان، وقد سميت الأشهر الحرم بهذا الاسم لعدة اسباب منها عظم حرمتها وحرمة الذنب فيها فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: اختص الله اربعة اشهر جعلهن حرما وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن اعظم، وقيل انما سميت حرما لتحريم القتال فيها، وكان ذلك معروفا من عهد ابراهيم عليه السلام، وقيل ان سبب تحريم هذه الاشهر الاربعة بين العرب لأجل التمكن من الحج والعمرة فحرم شهر ذي الحجة لوقع الحج فيه وحرم معه شهر ذي القعدة للسير فيه الي الحج وشهر المحرم للرجوع فيه من الحج حتي يأمن الحاج علي نفسه من حين يخرج من بيته الي ان يرجع اليه. وحرم شهر رجب للاعتمار فيه وسط السنة فيعتمر فيه من كان قريبا من مكة.
وسمي رجب رجبا لأنه كان يرجب اي يعظم وقيل لأن الملائكة ترجب للتسبيح والتحميد فيه واما اضافته الي مضر فقيل لأن مضر كانت تعظمه اكثر من غيرها وقيل لأن قبيلة ربيعة كانت تحرم رمضان وتحرم مضر رجبا فلذلك سماه النبي صلي الله عليه وسلم رجب مضر وحقق ذلك بقوه الذي بين جمادي وشعبان.
وكان الكثير من العرب اذا دخل شهر رجب يعطلون اسلحتهم ويضعونها فكان الناس ينامون ويأمن ابن السبيل ولا يخافون بعضهم بعضا حتي ينقضي الشهر.
ولشهر رجب اسماء كثيرة منها: شهر الله لأن الله شدد علي حرمته اذ كان بعض العرب لا يرون حرمته، ويسمي ايضا منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح ولذلك كان يسمي ايضا منزع الأسنة ومنصل الآلة ويسمي ايضا بالأصم لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، ويسمي ايضا برجب الفرد لأنه جاء فردا بينما بقيت الثلاث الحرم الأخري متتاليات وله اسماء أخري منها منفس ومطهر ومعلي ومقيم ومقشقش ومبريء وليس لرجب احكام تتعلق به وانما احكامه يشاركه فيها بقية الأشهر الحرم، وفي الجاهلية كانوا يذبحون ذبيحة في شهر رجب يسمونها العتيرة، واختلف العلماء في حكمها في الاسلام والأكثرون علي ان الاسلام ابطلها ففي الصحيحين عن ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلي الله عليه وسلم قال: لا فرع ولا عتيرة وفي النسائي عن نبيشة انهم قالوا: يا رسول الله إنا كنا نعتر فيه في الجاهلية يعني في رجب؟ فقال: اذبحوا لله في اي شهر كان وبروا لله وأطعموا وجمع العلماء بين هذه الاحاديث بأن المنهي عنه هو ما كان يفعله اهل الجاهلية من الذبح لغير الله.
وليس لشهر رجب صلاة مخصوصة كتلك المسماة بصلاة الرغائب فما يروي عنها من الاخبار هي تلفيق وكذب علي النبي صلي الله عليه وسلم وهي بدعة اول ما ظهرت في عام 448 هجرية في بيت المقدس ولذلك لم يعرفها المتقدمون لأنها احدثت بعدهم، وانما حكم ببدعتها من العلماء المتأخرين الحافظ ابواسماعيل الأنصاري وأبوالفرج بن الجوزي وغيرهما.
اما الصيام فيستحب الصيام فيه لأنه من الاشهر الحرم كما قال صلي الله عليه وسلم للباهلي: صم من الحرم واترك فعن مجيبة الباهلية عن ابيها او عمها: انه أتي رسول الله صلي الله عليه وسلم، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله اما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: الذي جئتك عام الأول، قال: فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قلت ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم لم عذبت نفسك، ثم قال: صم شهر الصبر ويوما من كل شهر، قال: زدني فإن بي قوة، قال: صم يومين، قال: زدني قال: صم ثلاثة ايام، قال زدني: قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه ثلاثة فضمها ثم ارسلها.
ولكن يكره صيام رجب كله كما اشار الي ذلك ابن عباس وابن عمر وأنس وسعيد بن جبير رضي الله عنهم وقال الامام احمد: يفطر منه يوما او يومين وقال الشافعي: اكره ان يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان واحتج بحديث عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم استكمل شهرا قط إلا رمضان .
اما الزكاة فقد روي أثر عن عثمان رضي الله عنه خطب الناس علي المنبر فقال: ان هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي ولكن وردت آثار أخري ايضا انهم كانوا يخرجون الزكاة في شعبان واستحب بعضهم ان تخرج في رمضان واستحب آخرون ان تخرج في المحرم لأنه رأس الحول، والأظهر ان هذا كله كان يحدث لأن لكل أحد حولا يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب.
واما الاعتمار في رجب فقد استحبه عمر وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم اجمعين ونقل ابن سيرين ان السلف كانوا يفعلونه.
ولم يصح بسند يعتمد عليه ان ليلة الاسراء كانت في السابع والعشرين منه فالعبرة عندنا بالمقاييس الدقيقة في علوم الرجال ومصطلح الحديث.
قال ابن رجب الحنبلي: شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة وقال ابوبكر الوراق: شهر رجب شهر للزرع وشعبان شهر السقي للزرع ورمضان شهر الحصاد وقال ايضا: مثل شهر رجب مثل الريح ومثل شعبان مثل الغيم ومثل رمضان مثل القطر، وقال بعضهم: السنة مثل الشجرة وشهر رجب ايام توريقها وشعبان ايام تفريعها ورمضان ايام قطافها والمؤمنون هم قطَّافها،
نسأل الله ان يبارك لنا في رجب وشعبان وان يبلغنا رمضان وصلي الله علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.
-----------------------------------------------
منقـــــــــول من جريدة الراية القطرية
smile13